الاقتباس من القرآن الکریم - الثعالبي، أبو منصور - الصفحة ١٧٩ - كتاب أبي عبيدة إلى عمر من الشام وجواب عمر بن الخطاب
أما بعد فقد ورد علي كتابك تذكر فيه مسير الروم بقضهم [١] وقضيضهم فإن الله ـ تعالى ـ رأى أماكنهم ، حين بعث محمدا صلوات الله عليه ، وأعزه بالنصر ، ونصره بالرعب ، فقال وهو لا يخلف الميعاد : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)[٢]. وقد علمت أبا عبيدة أنه لم تكن شدة قط إلّا جعل الله بعدها فرجا فلا تهولنك [٣] كثرة من جاءك من الكفرة الفجرة ؛ فإن الله برئ منهم. ومن يبرأ الله منه فلن ينصره. ولا توحشك قلة المسلمين وكثرة الكافرين (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)[٤]. وليس بقليل من كان الله معه ، فأقم بمكانك ، وتوكل على الله ، واستظهر به وكفى بالله ظهيرا ، ووليا ونصيرا.
وقد كتبت في كتابك [٥] أن أحتسب المسلمين إن هم [٦] أقاموا ، ودينهم إن هم [٧] انهزموا. وليس الأمر [٨] كما ذكرت ـ رحمك الله يا أبا عبيدة ـ ؛ لأنك قد علمت أن المسلمين إن هم أقاموا ، وصبروا وقتلوا ، فما عند الله خير للأبرار. وقد قال الله تعالى : (مِنَ
[١] يقال : جاءوا قضهم بقضيضهم أي جاءوا بأجمعهم. لسان العرب (قضض). وفي فتوح الشام فقد قدم علي أبو ثمالة بكتابك ، يخبرني فيه بنفير الروم إلى المسلمين برا وبحرا ومما جاشوا عليكم وأساقفهم ، قسسهم ورهبانهم. إن ربنا المحمود عندنا والصانع لنا. والرسالة في فتوح الشام : ١٦٢ مع اختلاف في الرواية.
[٢] التوبة : ٣٣.
[٣] في الأصل : (يهولنك) وفي فتوح الشام : ٨٢ فلا تهولنك ، كثرة ما جاءك منهم فإن الله منهم بريء ، ومن يبرأ الله منهم كان قمنا أن لا تنفعه كثرة. وأن يكله الله إلى نفسه ، ويخذله ، ولا توحشك قلة المسلمين في المشركين فإن الله معك.
[٤] البقرة : ٢٤٩.
[٥] عبارة (في كتابك) غير موجودة في نص فتوح الشام. وانظر جزءا من كتابه في نثر الدر ٢ / ٢٨.
[٦] في الأصل : (أنهم) وفي فتوح الشام : (أنفس المسلمين إن هم).
[٧] في الأصل : (انهم).
[٨] في فتوح الشام : وأيم الله لو لا استثناؤك بهذا لقد كنت أسأت ولعمري إن أقام لهم المسلمون وصبروا فأصيبوا لما عند الله خبير للأبرار.