الاقتباس من القرآن الکریم - الثعالبي، أبو منصور - الصفحة ١٢٩ - من كتاب المبهج
وكان كريم الطبيعة ، جميل العشرة ، طلق الوجه ، هشّا بشّا ، بساما في غير ضحك ، متواضعا من غير ذل ، جوادا من غير سرف ، رقيق القلب كما قال الله تعالى (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ)[١].
وكان لم يتجشأ قط من شبع [٢] ، ولا مدّ يده إلى طمع ، وما كان أكل قط وحده ، ولا منع رفده [٣] ، ولا ضرب عبده ، ولا ضرب أحدا إلا في سبيل ربه.
وكان يتوسد [٤] يده ويغضّ من نفسه ، فذلك قول الله تعالى فيه (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[٥] ، ولا عظيم أعظم ممن عظّمه الله ، ولو لم يكن من كرم خلقه ، وشرف نفسه ، وحسن عفوه ، وسماحة طبعه ، ورجاحة [٦] علمه إلّا ما كان منه يوم فتح مكة ؛ لكان [٧] ذلك من أكمل الكمال. وقد كانوا قتلوا أعمامه وأولياءه [٨] ، وقلاه أنصاره بعد أن حصروه [٩] في الشّعاب ، وعذّبوا أصحابه بأنواع العذاب ، وجرحوه في بدنه ، وآذوه في نفسه وسفّهوا رأيه ، [١٠] وأجمعوا على كيده. فلما دخل مكة عنوة بغير جهد [١١] ، وظهر عليهم على صغر منهم [١٢]. قام خطيبا فحمد الله ، وأثنى عليه. قال : ألا إني أقول لكم ما قال أخي يوسف لأخوته (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)[١٣].
[١] التوبة : ١٢٨.
[٢] في الأصل : (يبحش).
[٣] في الأصل : (رقده).
[٤] في الأصل : (يتوسل). وورد في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٦ / ٢٠٦ كان يتوسد يمينه عند المنام.
[٥] القلم : ٤.
[٦] في الأصل : (وسجاحة ... وتخانة).
[٧] في الأصل : (مله لقد كان).
[٨] في الأصل : (أولياه).
[٩] في الأصل : (حضروه).
[١٠] في الأصل : (عليه).
[١١] في الأصل : (جهرهم).
[١٢] يفي الأصل : (صفر).
[١٣] يوسف : ٩٢ والخطبة في البيان والتبيين ٢ / ٣٠ ويقال إنه حين وقف خطيبا فيهم قال : (يا معشر قريش ، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا خيرا. أخ كريم وابن أخ كريم. قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء) السيرة ٢ / ٤١٢ ، الطبري ٣ / ١٢٠.