الاقتباس من القرآن الکریم - الثعالبي، أبو منصور - الصفحة ٨٢ - مقدمة المؤلف
والمهرة ، وكما (أن) [١] إبراء عيسى عليهالسلام الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى [٢] ـ بإذن الله ـ معجزة له في زمان الأطباء الألباء. ولما اتسع نطاق الإسلام ، وامتد رواق الإيمان ، وأثبت في الآفاق شعاع الدين ، واستضاءت القلوب بنور اليقين ، لم يتعرض لمعارضة القرآن منطيق مدره [٣] ، ولا شاعر مصقع [٤] إلّا ختم على خاطره وفنه ، وإنما قصارى المتحلين بالبلاغة ، والحاطبين في حبل البراعة أن يقتبسوا من ألفاظه ومعانيه في أنواع مقاصدهم ، أو يستشهدوا ويتمثلوا به [٥] في فنون مواردهم ومصادرهم ، فيكتسي كلامهم بذلك الاقتباس معرضا [٦] ما لحسنه غاية ، ومأخذا ما لرونقه نهاية ، ويكسب حلاوة وطلاوة ما فيها إلّا معسولة الجملة والتفصيل. ويستفيد جلالة وفخامة ليست فيهما إلا مقبولة الغرة والتحجيل [٧]. هذا النبي صلىاللهعليهوسلم هو أفصح العرب لهجة وأعذبهم عذبة [٨] وأحسنهم إفصاحا وبيانا ، وأرجحهم في الحكمة البالغة ميزانا ، قد اقتبس من معاني القرآن وألفاظه في الكثير من كلامه ، والجمّ الغفير من مقاله. وكذلك السلف الأفضل من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين ، ومن بعدهم إلى يومنا من كل طبقة. فما أكثر ما عوّلوا على الاقتباس من القرآن فرصّعوا كلامهم [٩] ترصيعا ، وتعاطوا فنونه جميعا. وسأورد في هذا الكتاب من محاسنها كل ما تروق أصوله وفصوله ، ويفيد مسموعه ومحصوله. وإذ قد استمررت في تصديره ، فأنا ذاكر أبوابه ؛ ليفرد كل منهما بذاته وتقرب على الناظر فيه وجوه إيراده. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
[١] في الأصل : (كما ابرأ) وما بين القوسين ليست في الأصل.
[٢] في قوله تعالى في سورة المائدة : ١١٠ (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي).
[٣] المدره : زعيم القوم والمتكلم عنهم.
[٤] المصقع : الخطيب البليغ.
[٥] في الأصل : (ويتمثل).
[٦] المعرض : المظهر يقال عرض له أمر كذا ، يعرض أي ظهر.
[٧] التحجيل : في الأصل بياض في قوائم الفرس. والغرة : بياض في جبهته ، وذلك من صفات الفرس الأصيل وقد استعملها الثعالبي مجازا.
[٨] العذبة : طرف اللسان.
[٩] في الأصل : (أحلامهم).