التلقي للصحيفة السجادية - الجديع، حيدر محمود شاكر - الصفحة ٧٨ - (٣- ب) القصدية (قصدية التلقّي)
من وراء نصّه من حيثُ استعمالُ الألفاظ والتراكيب، ومن حيثُ المعاني المقصودة في النّص نفسه، والنّص بدوره المَوْصِل الرابط بين المُؤلف والمُتلقّي, فتنعكس عليه قصدية مؤلفه انعكاساً حيثياً, لأنّه نتاجه الهادف لمتلقيه. ومِنْ ثَمَّ تصل الحال بالقصدية إلى المُتلقّي فتولد قصديته في أثناء مباشرة علميته بالنّص وأنّه هو المعني به، سواء أكانت هذه القصدية بالفعل أم القصدية بالتبليغ، كما يقول آيزر([١٨٤]). وقصدية المُتلقّي لها البُعْد الأكبر والأوسع في دائرة الجدلية التفاعلية بينه وبين النّص، فبقدر ما ينسجم النّص مع معتقداته وميوله تكون دلالة القصدية أعمق في تلقّيه، وأدقّ في التعبير عنه، لأنّ الرغبة عند المُتلقّي قد بلغت ذروتها، وحقّقت ضالتها المنشودة في تثبيت المعنى التواصلي بين قصدية النّص والمُتلقّي نفسه أيضاً، ومِنْ ثَمَّ فإنَّ ما يعنيه مفهوم القصدية هو الدلالة والفهم، لأنّ الدلالة هي ضرورة قصد التّواصل، والفهم هو الاعتراف بقصد التّواصل([١٨٥]).
وفي كثير من الأحيان تكون مقاصد المُؤلفين نابغة ومنبثقة من استراتيجيات، ((كرست لتثقيف القارئ أو إذلاله أو تنفيذه))([١٨٦]). ويتأتى هذا التأثير من خلال القصدية التفاعلية الموجهة نحو المُتلقّي المقصود بها، فيكون التأثّر نتيجة ذلك التفاعل الجدليّ بين المُتلقّي والنّص القصديّ.
[١٨٤] ينظر: نظرية القراءة وتلقي النص الأدبي (بحث): ٣. وينظر أيضاً: الشّكل والقصد في النقد الجديد (بحث): ٤٠.
[١٨٥] ينظر: تحليل الخطاب الشعري: ١٤٠.
[١٨٦] ما الذي يجعل التأويل مقبولاً؟ (بحث): ٥٣.