الإمام المهدى« عليه السلام» و الظواهر القرآنية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٤٣ - التوحيد والحاكمية السياسية في مدرسة أهل البيت عليهم السلام
ذي القرنين:(قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) (الكهف: ٩٤)، فها هو يردع الفساد، الخليفة في الأرض والإمام كما مرَّ في سورة البقرة:(إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، هو سُنّة إلهية دائمة،(قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٣٠)، يعني الخليفة يصدّ ما اعترضت به الملائكة من أنَّه يحول بينه وبين الإفساد في الأرض، فيكون سدّاً حائلًا عن قطع النسل البشري، فذو القرنين الذي هو خليفة في الأرض يخوض في المجتمعات لقطع مادة الفساد في الأرض،(قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ)، مع كون ذي القرنين أوتي الأسباب اللدنّية من الله والتمكين في الأرض، مع ذلك يقول:(فَأَعِينُونِي)، فأعينوني بماذا؟(بِقُوَّةٍ)، ويقول:(آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ)، ويقول:(انْفُخُوا)، ويقول:(آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً)، ماذا يدلُّ استمداد العون من البشر؟ هذا المطلب يدلُّ بوضوح على أنَّ من يجعله الله إماماً للناس من قبله وخليفة في الأرض لا يعني ذلك أنَّه جبر (كن فيكون) في إصلاح الأرض وإقامة الإصلاح ودرء الفساد، ولا هو تفويض للناس، وإنَّما هي نفس نظرية القرآن (أمر بين أمرين) في الإصلاح الاجتماعي وفي حكومة المجتمع، فليست الحكومة الإلهية على البشر، والحكومة السياسية الإلهية الدينية على البشر جبراً وإلجاءاً، ولا تفويضاً للبشر، ولا استبداداً إلهياً، ولا هو تفويض مطلق بشيء، إنَّما هو طريق وسط في رائعة التصوير الإمتحاني، وهي صورة ذات جمال خلّاب تحافظ على إرادة البشرية في الحركة الحيوية، وتحافظ على عناية السماء وهداية السماء ولطفها بالبشر في نظرية الاختيار والامتحان في الإصلاح وإقامة الحكم السياسي، وهذه هي نظرية وعقيدة مدرسة أهل البيت، عقدية أصلية من متن القرآن الكريم.