شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٥
غضبه. (وذلك أنه لم يرحم قوما قط أطاعوه وكانت طاعتهم إياه وبالا عليهم إلا من بعد تحولهم من طاعته) ذلك إشارة إلى المذكور وهو جعل العذاب رحمة وأطاعوه صفة لقوما والواو في قوله " وكانت " للحال بتقدير " قد "، والوبال الشدة والمصيبة وسوء العاقبة والعمل السيئ والطاعة لاعلى وجه مطلوب وبال على صاحبه كطاعة أهل الخلاف، وفيه دلالة على أن هذه الطاعة وإن كانت معصية استحقوا بها العذاب إلا أنهم لو تحولوا عنها أدركتهم الرحمة ولم يعذبهم بها، وإنما ذكر هذه المعصية ليقاس عليها غيرها. (بعد ما قد كان قدر عليهم العذاب وقضاه) أي قضاه قضاء غير محتوم ولم يبلغ حد الإمضاء إذ لا دافع بعده. (فجعل العذاب المقدر عليهم رحمة فصرفه عنهم وقد أنزله عليهم وغشيهم آه) قال بعض المفسرين روي أن يونس (عليه السلام) بعث إلى أهل نينوى وهي - بكسر الأول - قرية بالموصل فكذبوه وأصروا عليه فوعدهم العذاب إلى ثلاث وقيل إلى أربعين فذهب عنهم مغاضبا فلما دنا الوعد غامت السماء غيما أسود ذا دخان شديد فهبط حتى غشى مدينتهم وتسود سطوحهم فهابوا فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا صدقه فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها فحن بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة وأخلصوا وتضرعوا إلى الله فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشورا يوم الجمعة. (فإنها ريح عذاب لا تلقح شيئا من الحيوان ولا شيئا من النبات) فلا ينتفع منها النفس الحيوانية والنفس النباتية لشدة حرارتها من فيح جهنم واشتمالها على النار المهلكة لهما (فأمر الخزان أن يخرجوا منها على مقدار سعة الخاتم) لعل هذا أعلى المقادير المقدرة لخروج الريح المهلكة لعاد وأدناها مثل خرق الأبرة ثم خرجت بعد العتو على مقدار الأدنى فلا ينافي ما في الفقيه حيث قال: قال (عليه السلام) " ما خرجت ريح قط إلا بمكيال الا زمن عاد فإنها عتت على خزانها فخرجت في مثل خرق الأبرة فأهلكت قوم عاد " (فخرج على مقدار منخر الثور) المنخر بفتح الميم والخاء وتكسر وضمهما وكمجلس الأنف وخرقه (تغيظا منها على قوم عاد) دل على أن لها شعورا وإدراكا ولا يبعد من قدرة الله تعالى أن يجعل لها مشاعر ومدارك فلا حاجة إلى التأويل في نسبة التغيظ والعتو إليها ولا في نسبة الخطاب والأمر إليها باعتبار أنها جماد والجماد لا يتصف بهذه الصفات ولا يؤمر بشئ كما زعمه بعض الناس وقال، التغيظ والعتو لأهلها والأمر للدلالة على التسخير، ومما يؤيد ما قلناه ما رواه في الفقيه من أن للريح وجها وجناحين.