شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٣٧ - خطبة لامير المؤمنين
عذّب نفسه، من خاف ربّه كفّ ظلمه- و في نسخة من خاف ربّه كفي عذابه- و من لم يزغ في كلامه أظهر فخره، و من لم يعرف الخير من الشرّ فهو بمنزلة البهيمة، إنّ من الفساد إضاعة الزّاد، ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا، هيهات هيهات و ما
بذكر غايتين يتنفر عنهما الطبائع لان الغضب مع عدم القدرة على امضائه يوجب طول الحزن و عذاب النفس و مع ذلك قد ينتهض المغضوب عليه للانتقام و هو حزن و عذاب آخر.
(من خاف ربه كف ظلمه- و فى نسخة- من خاف ربه كفى عذابه)
(١) لان الخوف منه تعالى انما هو لملاحظة عظمته، أو للتقصير فى أداء حقوقه و كلاهما سبب للكف عن الظلم على نفسه و على غيره و الكفاية من العذاب.
(و من لم يزغ فى كلامه أظهر فخره)
(٢) لم يزغ مثل لم يقل من زاغ الرجل مال و حاد عن الشيء أو لم يرغ من رغى يرغو اذا لم يفصح أو من رغى البعير اذا صوتت عند رفع الاحمال عليها أى من لم يمل فى كلامه عما يوجب حسنه و فصاحته أو من أفصح فى كلامه أو من لان قوله و لم يرفع صوته شديدا حتى يزجر السامعين أظهر فخره لان جودة الكلام و لينه دليل على فخر المتكلم هذا من باب الاحتمال و اللّه أعلم.
(من لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة)
(٣) الخير مفهوم كلى يندرج تحته جميع ما أراد اللّه تعالى من العباد، و الشر ضده: و المعنى من لم يعرفهما و لم يتميز بينهما كالجملة أو من لم يعرف الاحسان من الاساءة و قابله بها فهو و البهيمة سواء فى البهيمية و عدم العقل و انقطاع حقيقة الانسانية فيه و ان كان صورته صورة انسان.
(ان من الفساد اضاعة الزاد)
(٤) أى زاد الدنيا أو زاد الآخرة ففيه على الاول ترغيب فى حفظ ما يحتاج إليه فى البقاء و القيام بوظائف الطاعات و على الثانى فى تحصيل الاعمال الصالحة و الاخلاق الفاضلة لما بعد الموت.
(ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا)
(٥) لعل المراد أن الفاقة الاخروية و هى عدم ما يوجب السعادة الابدية مصيبة عظيمة بحسب الذات و طول الزمان و كل مصيبة دنيوية صغيرة فى جنبها فالفرار من هذه دون الاولى سفه أو الفرار فى هذه للفرار من الاولى لازم.
(هيهات هيهات)
(٦) أى بعد عملكم بالاخرة و عظمة فاقتها و حقارة مصائب الدنيا بالنسبة إليها أو بعد نسبة هذه المصائب إليها اذ لا نسبة بين سريع الانقطاع و أبدى البقاء.
(و ما تناكرتم الا لما فيكم من المعاصى و الذنوب)
(٧) أى ما تجاهلتم فى أمر الدين و ترك قوانينه و طلب ما ينجيكم من فاقة الآخرة الا للمعاصى و الذنوب المسودة لقلوبكم المانعة من طلب الآخرة و ترك الدنيا و لو لم يكونا كانت قلوبكم منورة و جوارحكم مطهرة و رأيتم