شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٢٨ - حديث موسى
يا موسى إنّ ابني آدم تواضعا في منزلة لينالا بها من فضلي و رحمتي فقرّبا قربانا و لا أقبل إلّا من المتّقين، فكان من شأنهما ما قد علمت فكيف تثق بالصاحب
معلوم لمن نظر فى كتب السير و الآثار حتى خربت به البيوتات و الديار و عدو نفسه و جسده كما أشار إليه بعض شراح نهج البلاغة اما لنفسه فلانه يصرف فكرها فى أمر المحسود حتى لا- تفرغ للتصرف فيما يعود نفعه إليها و ينسى ما حصل لها من الحسنات المنقوشة فى جوهرها و تضمحل تلك الحسنات على طول الحسد و اشتغال الفكر فيه و طول الحزن و الهم بالكلية و أما لجسده فلانه يعرض له عند حدوث هذه الاعراض للنفس طول السهر و سوء الاغتذاء و رداءة اللون و سوء السجية و فساد المزاج و تعطيل الجوارح عن الاعمال الحسنة.
اذا عرفت هذا فنقول استعار لفظ الاكل لكون الحسد ماحيا لما فى النفس و الجوارح من الاخلاق الفاضلة و الاعمال الصالحة التى هى الحسنات و مانعا من صيرورتها ملكات و ذلك بسبب استغراقه فى حال المحسود و اشتغاله به و شبه ذلك بأكل النار الحطب و وجه التشبيه ما يشترك فيه الحسد و النار من افناء الحسنات و الحطب و استهلاكهما.
(يا موسى ان ابنى آدم)
(١) من صلبه هابيل و قابيل و القول بانهما لم يكونا من صلبه و انهما رجلان من بنى اسرائيل ضعيف
(تواضعا)
(٢) من المواضعة و هى الموافقة فى امر، لا من التواضع بمعنى التخاشع و التذلل و التخاضع لعدم تحقق هذا المعنى فى أحدهما و هو قابيل
(فى منزلة لينا لا بها من فضلى و رحمتى)
(٣) لعل المراد بالمنزلة منزلة الكرامة و الشرف و القرب بالحق
(فقربا قربانا)
(٤) كان قربان هابيل كبشا من أفضل افراد غنمه فقبل بنزول النار البيضاء عليه و أكلها له و كان قربان قابيل من أخس أفراد زرعه و أرداه فلم يقبل. و المراد بالقربان هنا ما يتقرب به الى اللّه من الذبيحة و غيرها و هو فى الاصل مصدر و لذلك لم يثن مع ان المراد منه اثنان و قيل تقديره فقرب كل واحد منهما قربانا فلا يحتاج الى التثنية
(و لا أقبل الا من المتقين)
(٥) فقبل من هابيل لانه كان من أهل التقوى لا من قابيل لمعصيته و خسة قربانه و عدم خلوص نيته، قال جماعة منهم الفاضل الاردبيلى فيه دلالة على أن قبول الطاعة مشروط بالتقوى و أن عبادة الفاسق غير مقبولة و ان كانت صحيحة اذا وقعت على وجهها ثم قال هذا الفاضل يمكن ان يقال المراد أن قبول العبادة مشروط بالتقوى فى تلك العبادة بأن يأتى بها بحيث لا تكون عصيانا مثل ان يقصد الرياء أو غيره من المفسدات أو بالتقوى عن ذنب ينافى تلك العبادة فيكون اشارة الى أن الامر بالشيء يستلزم النهى عن ضده، و قال بعض المتأخرين يمكن أن يكون المراد ان التقوى شرط لقبول مثل هذه العبادة المخصوصة و هى القربان بهذا الوجه و كان من شأنهما ما علمت من قتل قابيل هابيل حسدا عليه و كان ينبغى أن يقتل نفسه لان سبب عدم