شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٣٣ - خطبة لامير المؤمنين
القصد خفّت عليه المؤن، و في خلاف النفس رشدك، من عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد، ألا و إنّ مع كلّ جرعة شرقا و إنّ في كلّ اكلة غصصا، لا تنال نعمة
(و فى خلاف النفس رشدك)
(١) أى هدايتك و استقامتك على طريق الحق أمر بجهاد النفس الامارة و اللوامة حتى تصير مطمئنة سالكة لطريق الحق و منهج الشرع حافظة لحدوده و مستمرة على ذلك حتى ترجع الى المقصد الاولى و المرجع الاصلى و لا يتحقق ذلك إلا بوزن عقائدها و أعمالها و حركاتها و سكونها و ميولها بميزان الشرع و العقل و مخالفة مقتضاها و كسر هواها و آلاتها البدنية و سد أبواب الاغواء و الوساوس الشيطانية.
(من عرف الايام لم يغفل عن الاستعداد)
(٢) أى من عرف الايام و صنعها بأهلها من قلب أحوالهم و خيبة آمالهم ابتلائهم بالموت و الآلام و تأديبهم بالامراض و الاسقام و أخذهم بالعقوبة و الانتقام مع مشاهدة سرعة فنائها و عدم بقائها يرد قلبه عن حب الدنيا و الميل إليها و لم يغفل عن الاستعداد لامر الآخرة و ما يوجب المقام الرفيع فيها.
(ألا و ان مع كل جرعة شرقا و ان فى كل أكلة غصصا)
(٣) الجرعة بالفتح و الضم فالضم الاسم من الشرب اليسير و الفتح المرة الواحدة، و الاكلة بالفتح المرة الواحدة من الاكل و بالضم اللقمة و الشرق و الغصة الشجى و ما اعترض من الماء و الطعام فى الحلق و المراد بالجرعة و الاكلة متاع الدنيا و حطامها و بالشرق و الغصص أن عيشها كدر و عذبها أجاج و حلوها صبر و صفوها متغير و حلالها مختلط بحرامها و خيرها بشرها و صحتها بسقمها و فرحها بألمها و نعمها بنقمها و حياتها بموتها و غير ذلك من المخاوف و النغصات التى لا يخلو منها أحد و بالجملة شبه متاع الدنيا بالماء و اللقمة اذ عليهما مدار الحياة فتشابها و أثبت لهم الشرق و الغصة اللذين لا يساغ بهما الشارب و الاكل بل يفيضان الى هلاكهما و أومأ الى تحققهما فى المشية أيضا لتنفير النفس عن قبوله و طلبه و تسكين قلب من تركه.
(لا تنال نعمة الا بزوال اخرى)
(٤) تنفير عن الدنيا بزوال نعمها و لذاتها و عدم بقائها و ثباتها و توقف لاحقها على فوات سابقها اذ كل نوع من النعمة و اللذة فانما يتجدد شخص منها و الالتذاذ بها بعد زوال مثله كلذة المأكول و المشروب و الملبوس و المركوب و غيرها من الملاذ الجسمانية فان نيلها يستدعى فوات اختها السابقة و ما استلزم نيله مفارقة نعمة اخرى لا يعد فى الحقيقة نعمة ملتذا بها فلا بد للعاقل اللبيب من صرف عمره فى تحصيل النعم الباقية من العلوم و المعارف و الحكمة الالهية و الاخلاق الفاضلة و الاعمال الصالحة النافعة فى الدار الآخرة
(و لكل رمق قوت)
(٥) مقدر يأتيه قطعا و الرمق محركة بقية الروح و الحياة و آخر النفس