شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٣١ - خطبة لامير المؤمنين
جلباب المسكنة، و المودّة قرابة مستفادة، و وصول معدم خير من جاف مكثر، و الموعظة كهف لمن وعاها، و من أطلق طرفه كثر أسفه، و قد أوجب الدّهر شكره على من نال سؤله، و قلّ ما ينصفك اللّسان في نشر قبيح أو إحسان، و من ضاق خلقه ملّه
منه
(و وصول معدم خير من جاف مكثر)
(١) الوصول من الصلة و الجفاء ضدها و المكثر من أكثر اذا أتى بكثير، و المعدم الفقير من أعدم الرجل افتقر، و المراد أن الفقير الوصول الحافظ لصلة الارحام و غيرها خير من الجافى القاطع الكثير الاعطاء لان الجفاء مذهب للعطاء و المحبة و ميل القلوب الى الوصول أكثر.
(و الموعظة كهف لمن وعاها)
(٢) أى الموعظة و هى ما اشتمل عليه الآيات العظيمة و السنة الكريمة من الوعد و الوعيد و ضرب الامثال و التذكير بالقرون الماضية و أحوال الامم الخالية و الآراء المحمودة الجاذبة للقلوب القابلة الى سبيل الحق كهف منيع و ملجأ رفيع لمن وعاها و حفظها و تأثر قلبه اللطيف و ذهنه الشريف بها فانها تدفع عنه شهوات النفس و مكايد الشيطان و تمنعه عن السلوك فى سبيل البغى و موارد العصيان و تجذبه الى صراط الحق و طريق الجنان.
(و من أطلق طرفه كثر أسفه)
(٣) الطرف العين و الطرف اللسان و الفم و الكل هنا مناسب و فى اطلاقه مفاسد كثيرة موجبة للاسف و الحزن الطويل فى الدنيا و الآخرة.
(و قد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله)
(٤) لكونه نعمة غير مترقبة باعتبار تضييقه على المؤمن لا لتحقيره و اذلاله بل لتعظيمه و اجلاله كيلا يشغل بالدنيا عن الآخرة و يمكن أن يراد به دهره (ع) و ما يشابهه فى الشدة و الصعوبة و يؤيده قوله (ع) فى بعض خطبه «أيها الناس قد أصبحنا فى دهر عنود و زمن شديد- الى قوله- و لا نتخوف قارعة حتى تحل بنا» و نسبة الايجاب و أمثاله الى الدهر مجاز شايع عند العرب و الا فالفاعل هو اللّه تعالى.
(و قل ما ينصفك اللسان فى نشر قبيح أو احسان)
(٥) النصف بالكسر و السكون العدل كالانصاف و الوسط بين الموضعين أى قل ما يعدل بك اللسان و يقتصر على النصف عند البيان فى نشر القبيح و الاحسان و المدح و الذم للانسان بل هو فى الاكثر فى حد التفريط و الافراط و الطغيان و هذا فى المعنى أمر بحفظه و قد كرره لكثرة مفاسده.
(و من ضاق خلقه مله أهله)
(٦) الملالة الضجر و السآمة، مله و مل منه سأمه، و الخلق بالضم و الضمتين السجية و الطبع و المروءة و الدين و فى النهاية و حقيقته انه لصورة الانسان الباطنة و هى نفسه و أوصافها و معانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة و أوصافها و معانيها و لهما أوصاف حسنة و قبيحه الثواب و العقاب مما يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما