شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٣٥ - حديث موسى
يا موسى طب نفسا عن الدّنيا و انطو عنها فانّها ليست لك و لست لها، ما لك و لدار الظالمين؟ إلّا لعامل فيها بالخير فانّها له نعم الدّار.
يا موسى ما آمرك به فاسمع و مهما أراه فاصنع، خذ حقائق التوراة إلى صدرك و تيقّظ بها في ساعات اللّيل و النهار و لا تمكّن أبناء الدّنيا من صدرك فيجعلونه و كرا كوكر الطير.
يا موسى أبناء الدّنيا و أهلها فتن بعضهم لبعض فكلّ مزيّن له ما هو فيه و المؤمن
(يا موسى طب نفسا عن الدنيا و انطو عنها)
(١) طيب النفس و السرور بالمجاوزة عن الدنيا و الانطواء و طى الكشح عنها غاية الزهد فيها و لذلك أمره بهما و علل الامرين
بقوله: (فانها ليست لك و لست لها)
(٢) فانها باعتبار ما فيها من الزهرات و اللذات للفاسقين و روحك المطهر من أعلى عليين، ثم حذره عنها على سبيل الانكار و التوبيخ فى الميل إليها
بقوله: (ما لك و لدار الظالمين)
(٣) المغرورين بها و المشغولين بشهواتها
(الا لعامل فيها بالخير فانها له نعم- الدار)
(٤) فالدنيا ممدوحة باعتبار أنها مضمار للآخرة و محل لاكتساب الزاد لها و تحصيل مقام القرب و الدرجات الرفيعة فيها و انما ذمها باعتبار ما فيها من الزهرات الشاغلة للمائلين إليها المفتونين بها عن اللّه تعالى و عن العمل للآخرة و ظاهر هذا الاستثناء الانقطاع و يمكن صرفه الى الاتصال بأن يكون المراد بالظالم العامل بالظلم و هو من حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالظلم يصدق على العامل بالخير فليتأمل.
(يا موسى ما آمرك به فاسمع)
(٥) كناية عن الاخذ و القبول و العمل به كما فى قولنا اذا نصحتك فاسمع
(و مهما أراه فاصنع)
(٦) أى مهما أراه خيرا لك فاصنع على حذف المفعول الثانى لان الرؤية بمعنى العلم تتعدى الى مفعولين
(خذ حقايق التوراة الى صدرك)
(٧) المراد بحقايقها المعانى الاولية و ما فوقها و الاسرار الالهية و النصائح و المواعظ الربانية المذكورة فيها
(و تيقظ بها فى ساعات الليل و النهار)
(٨) أى تيقظ بقراءة التوراة و العمل بأحكامها و العلم بحقايقها فى جميع الاوقات
(و لا تمكن ابناء الدنيا)
(٩) الذين يميلون و ينتسبون إليها كميل الابن و انتسابه الى أبيه
(من صدرك فيجعلونه وكرا كوكر الطير)
(١٠) الوكر بالفتح و التسكين عش الطائر، و انما نهاه عن تمكينهم من صدره و ميل قلبه إليهم لانهم حينئذ يجعلونه وكرا لانفسهم و يتصرفونه و يلازمونه كما يلازم الطائر عشه و يتولد منهم حب الدنيا.
(يا موسى ابناء الدنيا و أهلها فتن بعضهم لبعض فكل مزين له ما هو فيه)
(١١) تأكيد لما مر و تنبيه على ترك مودتهم و مجالستهم لانهم يزينون زينة الدنيا لجلسائهم قولا و فعلا و يتصرفون