شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٣٦ - حديث موسى
من زيّنت له الآخرة فهو ينظر إليها ما يفتر، قد حالت شهوتها بينه و بين لذّة العيش فأدلجته بالاسحار كفعل الراكب السائق إلى غايته يظلّ كئيبا و يمسي حزينا فطوبى له لو قد كشف الغطاء ما ذا يعاين من السّرور.
يا موسى الدّنيا نطفة ليست بثواب للمؤمن و لا نقمة من فاجر فالويل الطويل
فى صدورهم تصرفا تاما و يقرب منه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) «و لا ترفعوا من رفعته الدنيا» و ذلك لان من رفعته الدنيا و أهلها لما كان عادلا عن التقوى كان الميل إليه و احترامه و محبته و مجالسته يستلزم المحبة للدنيا و الميل إليها فكان منهيا عنه و عدم توقيره و مجالسته زهدا فى الدنيا و فى أهلها و هو من جملة التقوى فكان مأمورا به
(و المؤمن زينت له الآخرة)
(١) زينها اللّه تعالى بانزال الكتاب و ارسال الرسول و بيان أوصافها و نعيمها
(فهو ينظر إليها ما يفتر)
(٢) الفتور الضعف و السكون و ضد الحدة يقال طرف فاتر أى حسير كليل ليس بحاد، و المراد بالنظر النظر بالبصيرة القلبية و القوة العقلية الحاصلة بالعلوم الشرعية و الرياضة النفسية بعد رفض العلائق و قطع العوائق فهو حينئذ ينظر الى الآخرة و مقاماتها و أحوال الناس فيها و درجاتها و يبصر نعيمها و شهواتها لا يكل و لا يضعف نظره و لا يسكن و لا يصرف عنها بصره
(قد حالت شهوتها بينه و بين لذة العيش)
(٣) فى الدنيا لان ملاحظته فضل الآخرة على الدنيا و علمه بأحوال المعاد بعثه على شهوة الآخرة و العمل لها و تركه لذة عيش الدنيا
(فأدلجته بالاسحار)
(٤) الادلاج بتخفيف الدال السير فى أول الليل و بالتشديد السير فى آخره و لعل التعدية باعتبار تضمين معنى التصيير أى صيرته شهوة الآخرة مدلجا سائرا فى آخر الليل مشتغلا بالعبادة لعلمه بأن تلك الشهوة لا تنال إلا به
(كفعل الراكب السائق الى غايته)
(٥) أى مقصده و خطره، شبه سير ذلك المؤمن بسير الراكب السابق الى غايته لعلمه بانها لا تنال الا به، و يمكن أن يكون المشبه به سير الراكب المسافر و الوجه هو الوصول الى المطلوب و الراحة و النجاة من الشدائد
(يظل كئيبا و يمسى حزينا)
(٦) فهو دائما فى هم و غم و سوء حال و انكسار و حزن من ألم الفراق و الغربة و الخوف من التقصير و سوء الخاتمة، و فى المصباح ظل يفعل كذا يظل ظلولا اذا فعله نهارا قال الخليل لا تقول العرب ظل الا لعمل يكون بالنهار
(فطوبى له)
(٧) أى طيب العيش أو الجنة له، و قد يطلق على المدح و حسن الحال
(لو قد كشف الغطاء)
(٨) المانع من المشاهدة العينية
(ما ذا يعاين من السرور)
(٩) و موجباته المعدة لاولياء اللّه التى لا ينال وصفها العقل و اللسان و لا يدرك قدرها الوهم و البيان، و ما ذا كلمة استفهام على التركيب أو ما استفهام و ذا موصولة أو زائدة.
(يا موسى الدنيا نطفة ليست بثواب للمؤمن و لا نقمة من فاجر)
(١٠) النطفة بالضم ماء الرجل