شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٢٧ - خطبة لامير المؤمنين
كفاك أدبا لنفسك ما تكرهه لغيرك، و عليك لأخيك المؤمن مثل الذي لك عليه، لقد خاطر
متكدرة و أحوالها متغيرة و زهراتها متصرمة و أن الحكمة فى خلق بدنه و ما فيها من الآلات و المنافع انما هى استكمال نفسه بتحصيل العلوم الكلية و الاعمال الصالحة الحسنة و فضائل الاخلاق النفسية بتصفح جزئيات و مقايسات بعضها الى بعض كالاستدلال بحدوث الممكنات و عجائب المخلوقات على وجوده تعالى و حكمته و قدرته و جوده فتحصل الهداية الى عالم الملك و أسرار الملكوت و الى السعادة الابدية التى هى قرب الحق و من هاهنا علم أن الاعتبار سبب مادى لجميع ذلك.
(و كفاك أدبا لنفسك ما تكرهه لغيرك)
(١) من الامور الثقيلة عليه كما روى «أن من حقوق المؤمن أن تحب له ما تحب لنفسك و تكره له ما تكره لنفسك» و هذا من أعظم الآداب الشرعية بل لا يتم الا بتحقق جميعها أو من الامور المذمومة شرعا لان كراهتها سبب لادب النفس و هو معرفة حقوق اللّه تعالى و الاعراض عن تلك الامور.
(و عليك لاخيك مثل الّذي لك عليه)
(٢) حقوق المؤمن كثيرة منها اشباع جوعته و مواراة عورته و تفريج كربته و قضاء حاجته و السؤال عن حاله عند رؤيته و الزيارة و الدعاء له فى غيبته و الاجتهاد و الرغبة فى خدمته و الخلافة فى أهله و ولده بعد موته و الاتيان بمرضاته فى جميع الاحوال و الاعانة له بالنفس و اللسان و المال و غير ذلك مما هو مذكور فى كتاب الكفر و الايمان.
(و لقد خاطر من استغنى برأيه)
(٣) أى من استغنى برأيه و هواه فى امور الدين و الدنيا خاطر و ذهب يمينا و شمالا و خرج عن طريق القصد من الخطر بمعنى الاهتزاز و الاضطراب أو القى بنفسه فى الهلكة. يقال: خاطر بنفسه اذا ألقاها فيها و فى النهاية المحدثون يسمون اصحاب القياس أصحاب الرأى يعنى أنهم يأخذون بآرائهم فيما يشكل من الحديث أو ما لم يأت فيه حديث و لا أثر انتهى. و فيه رد على من جوز استعمال الرأى فى باب المعارف و الاسرار و الاحكام و نصب الامام فما ذهب إليه بعض الصوفية و منهم الغزالى فى كتاب الكيمياء من أنه يجوز انكشاف العلوم و البلوغ الى مرتبة النبوة بالرياضة و المجاهدة بلا توسط نبى و أن الفرق بينه و بين النبي أن النبي مأمور بالتبليغ دونه لان النبي مثلنا فى الانسانية كما قال «إِنَّمٰا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ»* و أن العلم بالمحسوسات حجاب بين العبد و الرب. باطل لدلالة الروايات الصحيحة على بطلانه و لان هذا الرجل ينبغى أن يكون نبيا صاحب الوحى أمر بالتبليغ أولا و العلم بالمحسوسات و الانتقال منها الى الصانع و ماله من الحكمة و القدرة على ما قرره الشرع ليس بحجاب كيف و قد حث عليه عز شأنه فى آيات كثيرة منها قوله يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ- الآية» ثم انهم قالوا وجب الرجوع الى المرشد و قد صرح به الغزالى فى الكتاب المذكور فان أرادوا