تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٨٨ - تدوين الحديث و الفقه في عهد التابعين
و اعتمدنا على مصادر موثوق بها، أن عليا قد دوّن الفقه في حياة الرسول و بعدها، و كان هو و جماعة من المسلمين، يرون جواز التدوين و الكتابة، بينما تمسك أكثر المسلمين برأي عمر بن الخطاب و اعتبروه سنة، لا يجوز بنظر الدين تجاوزها. و انصرفوا الى الحفظ، معتمدين على ما ينقل إليهم من صدور الحفاظ عن الصحابة و غيرهم. على أن بعض المصادر تؤيد أن شيئا من التدوين قد كان، و لكنه كان من أشخاص كانوا يدونون لأنفسهم ما عندهم من الأحاديث، مخافة الضياع و النسيان.
أما التدوين الشامل، فلم يحصل إلا في زمان متأخر، لأسباب ثلاثة، ذكرها محمد يوسف و غيره.
أولها: انتقال المسلمين من حال تغلب عليه البداوة، الى حال كثر فيه العمران و عظمت فيه الحضارة و أخذوا ينعمون بالحياة المترفة، الحافلة بأسباب النعيم و العمران، فانصرفوا الى العلوم و موادها، يعملون عقولهم في تحصيلها.
قال ابن خلدون في مقدمته: «ان العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران و نعم الحضارة». و قد ضرب لذلك أمثلة كثيرة.
ثانيها: انتشار الكتابة بين العرب و الاعتماد عليها في تسجيل ما لديهم من المعارف المختلفة، و في ذلك ما يؤدي الى الانصراف عن الحفظ و ضعف الذاكرة.
و في مثل طرد هذه الحالات، على الإنسان، يضطر الى تسجيل ما لديه من المعارف، خوفا من ضياعها. هذا بالإضافة الى أن بعض من دخلوا الإسلام و نبغوا في الفقه و علوم القرآن و الحديث، و هم الكثرة في عهد التابعين كانوا من الموالي، و الكفرة الغالبة في هؤلاء كانت تحسن