تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٨٦ - أدلة الأحكام في عهد التابعين
و مجمل القول ان الإفتاء بالرأي، فيما إذا لم يكن لدى المفتين دليل من كتاب أو سنة، أو كان لديه ما يفيد الحكم منهما، و لكنه لم يكن نصا فيه بأن كان يحتمله و يحتمل غيره، فإعمال الرأي في مثل ذلك للتوصل الى الواقع، ليس بالبعيد أن يكون نشأ في التشريع الإسلامي، منذ بدأ المسلمون يأخذون الأحكام من الكتاب و الحديث. و قد شاع ذلك بين الصحابة و فقهاء الحجاز، الذين اشتهروا بعد ذلك بالحديث، لوفرة حظهم منه، كما اشتهر فقهاء العراق و غيرهم بالرأي للأسباب التي ذكرناها. و الرأي بهذا المعنى، لا بد للفقيه من اللجوء اليه، بعد أن كان الفقه الإسلامي مستمدا من هذين الأصلين الكريمين.
أما الرأي الذي يرادف القياس، و الذي غالى به بعض أنصاره، فعارض به السنة و خصص به القرآن، فلم يكن شائعا بين فقهاء العراق، و بالأخص فقهاء الشيعة منهم، الذين تزعموا تدريس الفقه و الإفتاء في عصرهم، كإبراهيم بن يزيد النخعي و علقمة بن قيس و أمثالهما.
فالافتاء بالرأي في مثل هذه الحالات، في مقابل الإمساك عن الفتوى، كما كان الحال بالنسبة الى بعض من عاصرهم من الفقهاء.
و يؤيد ذلك، ما ذكره الخضري في (تاريخ التشريع الإسلامي) و مصطفى عبد الرزاق في (تمهيد لتأريخ الفلسفة).
ان الفقيه الشعبي، المعاصر لإبراهيم بن يزيد النخعي، كان إذا عرضت له الفتيا، و لم يجد فيها نصا، انقبض عن الفتوى، بينما كان إبراهيم و غيره يفتون حسب اجتهادهم