تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٨٥ - أدلة الأحكام في عهد التابعين
الإسلام ما لم يتعارض مع النصوص القرآنية و النبوية، و ليس فيما أقرّه الإسلام إشارة الى القياس من قريب أو بعيد مع العلم بأنه قد شاع بين بعض الصحابة بعد وفاة الرسول. و مهما كان الحال فقد اشتهر فقهاء الحجاز بالحديث و فقهاء العراق بالرأي، و لكن ذلك لا يعني أن فقه الحجاز كله مستند الى الحديث، و فقه العراق و غيرها مستند إلى الرأي.
و الشيء الثابت أنه كان حتى بين فقهاء الحجاز من يفتي برأيه أحيانا، إذا لم تتوفر اليه النصوص من الكتاب أو السنة.
قال الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة: «و الرأي كان مأخوذا به في المدينة و سائر مدن الحجاز. و قد رأينا الفقهاء السبعة الذين مثلوا الفقه المدني أصدق تمثيل، كان كبيرهم ابن المسيب، لا يهاب الفتيا، حتى لقب بالجريء، و لا يجرؤ على الإكثار من الإفتاء، من لا يجرؤ على الرأي، و لا يوصف بالجريء في الفتيا من يقف عند النص أو الأثر لا يعدوه. بل يوصف بالجريء من يسير في دائرة المأثور، و يكثر من التخريج عليه و السير على منهاجه، و ليس ذلك إلا الرأي» [١].
و قال عنه في موضع آخر من كتابه: «و كان سعيد بن المسيب كثير الإفتاء بالرأي». و فيما سبق، ذكرنا أن عمر بن الخطاب كان يفتي برأيه أحيانا و يعمل بالقياس، تمشيا مع المصلحة التي يراها، حتى و لو خالف النصوص القرآنية و النبوية. و لا شك بأن جماعة من الفقهاء في الحجاز، قد أخذوا من قضائه و فقهه و نهجوا على طريقته في الفقه و القضاء.
و مهما يكن الحال، فالافتاء بالرأي، المرادف للاجتهاد، لا بد منه للفقيه في فهم النصوص و فيما لا نص فيه، بعد الفحص و الاطمئنان إلى الواقع.
[١] الامام الصادق (ص ١٧٦).