تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٨٢ - أدلة الأحكام في عهد التابعين
و يمكن تلخيص الأسباب التي من أجلها شاع الاجتهاد و الرأي بين فقهاء التابعين، و امتازوا بها على من تقدم من فقهاء الصحابة، بالأسباب التالية:
أولا: كثرة النوازل و الحوادث الناتجة عن انبثاق فجر جديد للاسلام، بعد أن تعدى حدود البلاد العربية، التي انبثق فجره بها الى تلك البلاد التي تختلف أشد الاختلاف، في عاداتها و تقاليدها و جميع شؤونها الاقتصادية و الاجتماعية، فأدى ذلك حتما الى الاختلاف في جميع أسباب الحياة و شؤونها، و كان من آثار ذلك أن تجددت لسكان تلك البلاد حوادث لم تكن في الغالب تشبه ما كان في عصر الرسول و صحابته، و كان من المفروض على الفقهاء أن يعلموا الناس الأحكام، و يفقهوا الناس في الدين، حسبما تقتضيه الحاجة. و في مثل ذلك لا بد من الاجتهاد في فهم النصوص الاسلامية و تطبيقها على الحوادث التي تقتضيها أوضاع تلك البلاد و اعرافها الخاصة. و قد تدعو الحاجة الى الحكم بالرأي أحيانا، فيما اذا لم تتوفر النصوص، أو كانت محاطة بما يوجب عدم الوثوق بها، أو عدم الاطمئنان لدلالتها.
ثانيا: كثرة الكذب في الحديث، بعد أن فسح الأمويون المجال لفئة من الدخلاء على الاسلام و قربوهم، لأغراض سياسية، حتى وضعوا آلاف الأحاديث في الحلال و الحرام و غيرهما، بين الأحاديث الصحيحة. فلم يعد بالإمكان تصديق كل ما يروى عن الرسول، بعد أن وصل الحديث الى التابعين، و فيه الصحيح و المكذوب. و كان من نتيجة ذلك أن كثيرا من الأحاديث، كانت محلا للريب و الشبهة بنظر الفقهاء المتفرقين في الأمصار. و اقتضى ذلك عدم الأخذ بها و الاعتماد على الاجتهاد و الرأي أحيانا. و مجمل القول في ذلك أن كثرة الحديث