تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٧٨ - أدلة الأحكام في عهد التابعين
يريده اللّه و رسوله على تقدير صحة الرواية و ليس منه القياس و الاستحسان كما القائلون بهما، و مهما كان الحال فقد ظهر الاجتهاد بين فقهاء الصحابة و برز في فتاويهم و أقضيتهم في تطبيق آيات الأحكام و نصوص السنة في موارد كثيرة و تعداهما الى القياس و الاستحسان كما أشرنا الى بعض تلك الاجتهادات في الفصول السابقة. و لكن هذه النزعة لم تكن بارزة في احكامهم و أقضيتهم، كما برزت في عهد التابعين و تابعيهم، و على الأخص بين فقهاء العراق، الذين اشتهروا بالرأي، كما اشتهر فقهاء الحجاز بالحديث، لأسباب اهمها تلك الحياة المتجددة و المتغيرة بما عرض لها من تطورات سريعة، بعد ان فتح اللّه على المسلمين بلاد الفرس و الرومان و شمالي افريقيا، و غيرها من الأقطار التي غزاها الاسلام.
و مما لا شك فيه ان لكل من هذه الأقطار حضارتها و عوائدها و اعرافها التي تخصها. و كم يرى من الفرق بين الحياة التي كان يحياها الرسول و صحابته في دنياهم المحدودة يوم ذاك، تلك الحياة البسيطة الهادئة، و بين تلك الحياة التي عاش فيها الفقهاء بعد عصر الرسول و صحابته، و انتشر فيها الاسلام في الشرق و الغرب و الشمال و الجنوب، فكان مما لا بد منه أن يتأثر العرب الغزاة، بما في تلك البلاد، من العادات و التقاليد و النظم الاقتصادية و الاجتماعية، مما تتصل بحياة الانسان اتصالا مباشرا و تؤثر على تفكيرهم، حتى في فهم نصوص القرآن و ذلك من دواعي نمو التشريع و تضاعف جهود الفقهاء و حملة الحديث، في تطبيق تلك القواعد العامة، التي وردت في الكتاب و السنة، على تلك الوقائع و الحوادث التي تجددت مع الزمن، لا سيما و ان المأثور عن الرسول (ص) من قضاء و احكام، في الموارد الخاصة و ما طبقه من تلك القواعد الكلية التي وردت في الكتاب على الحوادث