تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٧١ - الفصل الرابع الوضع السياسي في عهد التابعين
منها، هذه النظرية تجعل الحاكم مسؤولا عن جميع أعماله و تصرفاته.
و نظرية العدل، التي تقرر استحالة الظلم من الخالق، و لازمها عدم مساواة المجرم بغيره في الجزاء، و ان: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»، و إلا كان ظالما لعباده.
هاتان النظريتان، كانتا مسرحا للجدل و النقاش، بين فرق المسلمين. و قد سلك فيهما الشيعة مسلكا يتفق مع القرآن و أحاديث الرسول، و يجعل الانسان، حاكما كان أو لم يكن، مسؤولا عن جميع تصرفاته و أعماله، بينما سلك فيهما غير الشيعة، مسلكا يتفق مع هوى الحكام و رغباتهم، لأنهم يرون فيه المبررات لتصرفاتهم و عدوانهم على كل من لا يقر سياستهم الجائرة. لذا فإن الحكام، من الأمويين و غيرهم، قد أمعنوا في تسخير الأفكار و شراء الضمائر، و تقتيل فريق من فقهاء الشيعة و مفكريهم، كيحيى بن ام الطويل و سعيد بن جبير و غيرهما، و مراقبة الباقين منهم مراقبة دقيقة، تحصي عليهم حتى أنفاسهم، ليتم لهم اخضاع الناس لدولتهم و الاعتراف بشرعية خلافتهم.
و كان من نتيجة ذلك، ان الذين سلموا من الحجاج و غيره من الولاة، كابن المسيّب و القاسم بن محمد و غيرهما، كانوا يفتون بما يوافق العامة احيانا، و يروون حتى عن أبي هريرة، عميل الأمويين الأكبر.
و ظلموا يمارسون الحياة العلمية و النشاط الفكري، الذي بدت طلائعه في ذاك العهد من حياة المسلمين. و من اجل ذلك، كان للفقهاء من الشيعة في هذا الدور طابع خاص، لم يكن في الدور الذي تقدمه و تأخر عنه. ففي الدور الذي تقدمه، و هو دور الصحابة، كان لكل واحد من الصحابة ان يفتي بما سمعه عن الرسول و يحدث بما رواه عنه. و كل ما في الأمر ان من بيدهم سلطة التنفيذ، لم يسهلوا الطريق لجميع الرواة