المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٧٤ - ٢- من الواضع؟
و أما على القول الثاني من المذهب الثاني (أعني القول بالتعهد) فلا يعلم بوجود شخص وضع لغة مسبقا كي يتعهد الناس على طبقها لا حقا.
نعم نعلم أن كل واحد من أبناء اللغة متعهد. فإذا قلنا أن اسم واضع يصدق على المتعهد ينتج من ذلك أن كل واحد من أبناء اللغة هو واضع.
و أما على المذهب الثالث فوجود الواضع غير ضروري. توضيحه أنه لا مانع من احتمال أن الإنسان القديم لم يكن عنده لغة لكنه لما فطر على المدنية و التفهم و التفهيم صار ينطق بأي لفظ يخرج على لسانه و يشير به إلى المعنى فتكرر منه هذا الأمر حتى اقترن ذاك اللفظ بذاك المعنى و هكذا يقوم بمحاولات أخرى تدريجيا. و بمرور الزمان تكونت اللغة المركبة من ألفاظ عديدة.
فهذا الاحتمال ممكن عقلا و لا دليل على عدم وقوعه. كما أن احتمال وجود رجل أو ملك ساعد الناس بتعليمهم على بعض الألفاظ احتمال موجود عقلا و غير مدفوع وقوعا إذ لا دليل على عدمه أيضا.
فتحصل ان على هذا المذهب كما لا دليل على وجود الواضع كذلك لا دليل على عدم وجوده.
نعم المظنون من لطف اللّه تعالى أن يكون قد أرسل رسلا ملائكة أو بشرا تعلم الإنسان بعض الألفاظ و يدل على ذلك أمران.
الأول: إن اللّه تعالى قد بعث إلى الإنسان من يعلمه بعض الأمور التي حاجته إليها أقل بكثير من حاجته إلى اللغة. كإرساله الغراب ليعلم قابيل على دفن أخيه. و كتعليمه صناعة التروس و نحوها لداود (ع). و إرساله الملكين ليعلما الناس السحر ليدفعوا به سحر السحرة المؤذين للناس. و قيل أنه علم بعض الأنبياء الخياطة و علم ذا القرنين أمور كثيرة. و قيل علم بعض الأنبياء الفلسفة و هكذا فاللازم علينا أن نطمئن أنه قد أرسل من يعلمنا اللغات ضرورة أن حاجتنا إلى اللغات أشد بكثير من حاجتنا إلى تعلم الدفن أو الخياطة أو التروس أو الفلسفة أو السحر فلاحظ.