المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٣٧٦ - بقي شيء
المطلوب- في عهدة المخاطب، و جعل الداعي في نفسه و تحريكه و بعثه نحوه. ما شئت فعبر.
غير أن هذا الجعل أو الإنشاء يختلف فيه الداعي له من قبل المتكلم، (فتارة) يكون الداعي له هو البعث الحقيقي و جعل الداعي في نفس المخاطب لفعل المأمور به، فيكون هذا الإنشاء حينئذ مصداقا للبعث و التحريك و جعل الداعي، أو إن شئت فقل يكون مصداقا للطلب، فإن المقصود واحد. و (أخرى) يكون الداعي له هو التهديد، فيكون مصداقا للتهديد و يكون تهديدا بالحمل الشائع. و (ثالثة) يكون الداعي له هو التعجيز فيكون مصداقا للتعجيز. و تعجيزا بالحمل الشائع ... و هكذا في باقي المعاني المذكورة و غيرها.
و إلى هنا يتجلى ما نريد أن نوضحه، فإنا نريد أن نقول بنص العبارة: إن البعث أو التهديد أو التعجيز أو نحوها ليست هي معاني لهيئة الأمر قد استعملت في مفاهيمها- كما ظنه القوم- لا معاني حقيقية و لا مجازية. بل الحق أن المنشأ بها ليس إلا النسبة الطلبية الخاصة، و هذا الإنشاء يكون مصداقا لأحد هذه الأمور باختلاف الدواعي فيكون تارة بعثا بالحمل الشائع و أخرى تهديدا بالحمل الشائع و هكذا. لا أن هذه المفاهيم مدلولة للهيئة و منشأة بها حتى مفهوم البعث و الطلب.
قوله (ره): (كما ظنه القوم ..).
اقول: انهم قالوا ان صيغة (افعل) من معانيها الطلب و التهديد و كذا و كذا .. فهم إنما ذكروا المفاهيم في عرض المعاني و لا اظن ان يكون مرادهم هو ان صيغة افعل موضوعة لمفهوم التهديد او التعجيز او الطلب فإن هذا يبعد جدا التزامهم به و لو لا خوف الله امكن الجزم بانهم لا يريدون ذلك فلا وجه لما فعله المصنف (ره) من نسبة هذا التوهم الى القوم.
فمراد القوم ان هيئة الأمر موضوعة لمصداق التعجيز و مصداق التمني و مصداق الترجي. فلا بد في جوابهم من الرجوع الى الوجدان الحاكم بان هيئة افعل لم توضع الا لمعنى واحد و هو البعث فقط.