المغازي - الواقدي - الصفحة ٣٥٨ - غزوة الرّجيع فى صفر على رأس ستّة و ثلاثين شهرا
(١) و كان يسمعه النساء فيبكين و يرققن عليه. قالت، فقلت له: يا خبيب، هل لك من حاجة؟ قال: لا، إلّا أن تسقيني العذب، و لا تطعمينى ما ذبح على النّصب، و تخبريني إذا أرادوا قتلى. قالت: فلمّا انسلخت الأشهر الحرم و أجمعوا على قتله أتيته فأخبرته، فو اللّه ما رأيته اكترث لذلك، و قال: ابعثي لى بحديدة أستصلح بها. قالت: فبعثت إليه موسى مع ابني أبى حسين، فلمّا ولّى الغلام قلت: أدرك و اللّه الرجل ثأره، أىّ شيء صنعت؟ بعثت هذا الغلام بهذه الحديدة، فيقتله و يقول «رجل برجل».
فلمّا أتاه ابني بالحديدة تناولها منه ثم قال ممازحا له: و أبيك إنك لجرىء! أما خشيت أمّك غدرى حين بعثت معك بحديدة و أنتم تريدون قتلى؟
قالت ماويّة: و أنا اسمع ذلك فقلت: يا خبيب، إنما أمّنتك بأمان اللّه و أعطيتك بإلهك، و لم أعطك لتقتل ابني. فقال خبيب: ما كنت لأقتله، و ما نستحلّ فى ديننا الغدر. ثم أخبرته أنّهم مخرجوه فقاتلوه بالغداة. قال:
فأخرجوه بالحديد حتى انتهوا به إلى التّنعيم [١]، و خرج معه النساء و الصّبيان و العبيد و جماعة من أهل مكّة، فلم يتخلّف أحد، إما موتور فهو يريد أن يتشافى بالنظر من وتره، و إما غير موتور فهو مخالف للإسلام و أهله. فلمّا انتهوا به إلى التّنعيم، و معه زيد بن الدّثنّة، فأمروا بخشبة طويلة فحفر لها، فلمّا انتهوا بخبيب إلى خشبته قال: هل أنتم تاركىّ فأصلّى ركعتين؟
قالوا: نعم. فركع ركعتين أتمّهما من غير أن يطوّل فيهما.
فحدّثنى معمر، عن الزّهرىّ، عن عمرو بن أبى سفيان بن أسيد بن العلاء، عن أبى هريرة، قال: أوّل من سنّ الركعتين عند القتل خبيب.
[١] التنعيم: هو عند طرف حرم مكة من جهة المدينة على ثلاثة أميال، و قيل أربعة، من مكّة. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٨٣).