المغازي - الواقدي - الصفحة ٩٤ - بدر القتال
(١) فأعطاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قضيبا كان فى يده من عراجين [١] ابن طاب، فقال: اضرب به! فإذا هو سيف جيّد، فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبى عبيد. و قال: بينا حارثة بن سراقة كارع فى الحوض، إذ أتاه سهم غرب [٢] فوقع فى نحره، فلقد شرب القوم آخر النهار من دمه.
فبلغ أمّة و أخته و هما بالمدينة مقتله، فقالت أمّه: و اللّه، لا أبكى عليه حتى يقدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأسأله، فإن كان ابني فى الجنّة لم أبك عليه، و إن كان ابني فى النار بكيته لعمر اللّه فأعولته! فلمّا قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من بدر جاءت أمّه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقالت:
يا رسول اللّه، قد عرفت موقع حارثة من قلبي، فأردت أن أبكى عليه فقلت:
لا أفعل حتى أسأل رسول اللّه، فإن كان فى الجنّة لم أبك عليه، و إن كان فى النار بكيته فأعولته. فقال النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: هبلت، أجنّة واحدة؟ إنها جنان كثيرة، و الذي نفسي بيده إنّه لفى الفردوس الأعلى
قالت: فلا أبكى عليه أبدا! و دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بإناء من ماء فغمس يده فيه و مضمض فاه، ثم ناول أمّ حارثة فشربت، ثم ناولت ابنتها فشربت، ثم أمرهما فنضحتا فى جيوبهما، ففعلتا فرجعتا من عند النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ما بالمدينة امرأتان أقرّ أعينا منهما و لا أسرّ.
قالوا: و كان هبيرة بن أبى وهب لمّا رأى الهزيمة انحزل [٣] ظهره فعقر [٤]
[١] فى ت: «عراجين أرطاب». و عراجين: جمع عرجون، و العرجون: العذق، أو إذا يبس و اعوج، أو أصله، أو عود الكباشة. و ابن طاب: ضرب من الرطب.
(القاموس المحيط، ج ٤، ص ٢٤٨، ج ١، ص ٩٨).
[٢] سهم غرب: أى لا يعرف رامية. (النهاية، ج ٣، ص ١٥٣).
[٣] انخزل الشيء: انقطع. (الصحاح، ص ١٦٨٤).
[٤] عقر: كفرح، فجئه الروع فلم يقدر أن يتقدم أو يتأخر. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٩٤).