المغازي - الواقدي - الصفحة ٢٥١ - غزوة أحد
(١)
فحدّثنى يونس بن محمّد الظّفرىّ، عن عاصم بن عمر، عن عبد اللّه ابن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: كان أبىّ بن خلف قدم فى فداء ابنه، و كان أسر يوم بدر، فقال: يا محمّد، إنّ عندي فرسا لى أجلّها فرقا [١] من ذرة كلّ يوم، أقتلك عليها. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: بل، أنا أقتلك عليها إن شاء اللّه. و يقال قال ذلك بمكّة فبلغ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )كلمته بالمدينة فقال: أنا أقتله عليها إن شاء اللّه.
قالوا: و كان رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )فى القتال لا يلتفت وراءه، فكان يقول لأصحابه: إنّى أخشى أن يأتى أبىّ بن خلف من خلفي، فإذا رأيتموه فآذنونى [٢] به.
فإذا بأبىّ يركض على فرسه، و قد رأى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )فعرفه، فجعل يصيح بأعلى صوته: يا محمّد، لا نجوت إن نجوت! فقال القوم: يا رسول اللّه، ما كنت صانعا حين يغشاك! فقد جاءك، و إن شئت عطف عليه بعضنا. فأبى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و دنا أبىّ فتناول رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )الحربة من الحارث ابن الصّمّة، ثم انتفض بأصحابه كما ينتفض البعير، فتطايرنا عنه تطاير الشعارير [٣]، و لم يكن أحد يشبه رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )إذا جدّ الجدّ. ثم أخذ الحربة فطعنه رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )بالحربة فى عنقه و هو على فرسه، فجعل يخور كما يخور الثور. و يقول له أصحابه:
أبا عامر، و اللّه ما بك بأس. و لو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ما ضرّه.
[١] فى ح: «أعلفها فرقا». و الفرق: مكيال يسع ستة عشر رطلا، و هي اثنا عشر مدا و أجلها:
أى أعلفها، فوضع الإجلال موضع الإعطاء، و أصله من الشيء الجليل. (النهاية ج ٣، ص ١٩٦، ج ١، ص ١٧٣).
[٢] فى ت: «فادنونى».
[٣] الشعارير: جمع الشعراء. و قال ابن هشام: الشعراء ذباب صغير له لذع. (السيرة النبوية، ج ٣، ص ٨٩).