المغازي - الواقدي - الصفحة ٣٥ - بدر القتال
(١) فكان حكيم يقول: لقد رأيتنا حين بلغنا الثّنيّة البيضاء- و الثّنيّة البيضاء التي تهبطك على فخّ و أنت مقبل من المدينة- إذا عدّاس جالس عليها و الناس يمرّون، إذ مرّ عليه ابنا ربيعة، فوثب إليهما فأخذ بأرجلهما فى غرزهما، و هو يقول: بأبى و أمّي أنتما، و اللّه إنه رسول اللّه، و ما تساقان إلّا إلى مصارعكما! و إنّ عينيه لتسيل دموعهما على خدّيه، فأردت أن أرجع أيضا، ثم مضيت، و مرّ به العاص [١] بن منبّه بن الحجّاج، فوقف عليه حين ولّى عتبة و شيبة، فقال: ما يبكيك؟ فقال: يبكيني سيّداى و سيّدا أهل الوادي، يخرجان إلى مصارعهما، و يقاتلان رسول اللّه. فقال العاص:
و إنّ محمّدا رسول اللّه؟ قال: فانتفض عدّاس انتفاضة، و اقشعرّ جلده، ثم بكى و قال: إى و اللّه، إنه لرسول اللّه إلى الناس كافّة. قال: فأسلم العاص بن منبّه، ثم مضى و هو على الشكّ حتى قتل مع المشركين على شكّ و ارتياب. و يقال رجع عدّاس و لم يشهد بدرا، و يقال شهد بدرا و قتل يومئذ- و القول الأوّل أثبت عندنا.
قالوا: و خرج سعد بن معاذ معتمرا [٢] قبل بدر فنزل على أميّة بن خلف، فأتاه أبو جهل فقال: أ تنزل [٣] هذا، و قد آوى محمّدا و آذنّا بالحرب؟ فقال سعد بن معاذ: قل ما شئت، أما إنّ طريق عيركم علينا.
قال أميّة بن خلف: مه، لا تقل هذا لأبى الحكم، فإنه سيّد أهل الوادي! قال سعد بن معاذ: و أنت تقول ذلك يا أميّة، أما و اللّه
لسمعت محمّدا يقول «لأقتلنّ أميّة بن خلف».
قال أميّة: أنت سمعته؟ قال، قلت: نعم.
[١] فى الأصل. «عاصم بن منبه». و ما أثبتناه عن سائر النسخ، و هكذا ذكره ابن إسحاق أيضا.
(السيرة النبوية، ج ٢، ص ٢٩٥).
[٢] فى ت: «و خرج سعد بن معاذ إلى مكة قبل بدر».
[٣] فى ت، ح: «أ تترك هذا».