المغازي - الواقدي - الصفحة ٩٧ - بدر القتال
(١) قالوا: و كان قباث [١] بن أشيم الكنانىّ يقول: شهدت مع المشركين بدرا، و إنّى لأنظر إلى قلّة أصحاب محمّد فى عيني و كثرة ما معنا من الخيل و الرجال [٢]، فانهزمت فيمن انهزم، فلقد رأيتنى و إنّى لأنظر إلى المشركين فى كلّ وجه، و إنّى لأقول فى نفسي: ما رأيت مثل هذا الأمر فرّ منه إلّا النساء! و صاحبني رجل، فبينا هو يسير معى إذ لحقنا من خلفنا، فقلت لصاحبي: أبك نهوض؟ قال: لا و اللّه، ما هو بى. قال: و عقر، و ترفّعت، [٣] فلقد صبّحت غيقة [٤]- عن يسار السّقيا بينها و بين الفرع ليلة، و المدينة ثمانية برد- قبل الشمس، كنت هاديا بالطريق و لم أسلك المحاجّ، و خفت من الطلب فتنكّبت عنها، فلقيني رجل من قومي بغيقة فقال: ما وراءك؟ قلت: لا شيء! قتلنا و أسرنا و انهزمنا، فهل عندك من حملان؟
فقال: فحملني على بعير، و زوّدنى زادا حتى لقيت الطريق بالجحفة، ثم مضيت حتى دخلت مكّة، و إنّى لأنظر إلى الحيسمان بن حابس الخزاعىّ بالغميم [٥]، فعرفت أنّه يقدم ينعى قريشا بمكّة، فلو أردت أن أسبقه لسبقته، فتنكّبت عنه حتى سبقني ببعض النهار، فقدمت و قد انتهى إلى مكّة خبر قتلاهم. و هم يلعنون الخزاعىّ و يقولون: ما جاءنا بخير! فمكثت بمكّة،
فلمّا كان بعد الخندق قلت: لو قدمت المدينة فنظرت ما يقول محمّد! و قد وقع فى قلبي الإسلام. فقدمت المدينة فسألت عن رسول اللّه
[١] فى الأصل: «قثات»، و ما أثبتناه عن سائر النسخ، و عن ابن عبد البر.
(الاستيعاب، ص ١٣٠٣).
[٢] فى ح: «و الرحل».
[٣] ترفعت: من رفع البعير فى السير، أى بالغ. (الصحاح، ص ١٢٢١).
[٤] فى الأصل: «عيفة»، و ما أثبتناه عن سائر النسخ، و عن السمهودي. قال: موضع بساحل البحر قرب الجار، يصب فيها وادي ينبع و رضوى. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٥٤).
[٥] الغميم: موضع بين رابغ و الجحفة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٥٣).