المغازي - الواقدي - الصفحة ٣٥٦ - غزوة الرّجيع فى صفر على رأس ستّة و ثلاثين شهرا
(١) قال الواقدىّ: ما رأيت من أصحابنا أحدا يدفعه. قال: فرماهم بالنّبل حتى فنيت نبله، ثم طاعنهم بالرمح حتى كسر رمحه، و بقي السيف فقال:
اللّهمّ حميت دينك أوّل نهاري فاحم لى لحمى آخره! و كانوا يجرّدون كلّ من قتل من أصحابه. قال: فكسر غمد سيفه ثم قاتل حتى قتل، و قد جرح رجلين و قتل واحدا. فقال عاصم و هو يقاتل:
أنا أبو سليمان و مثلي رامى * * * ورثت مجدا معشرا كراما
أصبت مرثدا و خالدا قياما [١]
ثم شرعوا فيه الأسنّة حتى قتلوه. و كانت سلافة بنت سعد بن الشّهيد.
قد قتل زوجها و بنوها أربعة، قد كان عاصم قتل منهم اثنين، الحارث، و مسافعا، فنذرت لئن أمكنها اللّه منه أن تشرب فى قحف [٢] رأسه الخمر، و جعلت لمن جاء برأس عاصم مائة ناقة، قد علمت ذلك العرب و علمته بنو لحيان فأرادوا أن يحتزّوا رأس عاصم ليذهبوا به إلى سلافة بنت سعد ليأخذوا منها مائة ناقة. فبعث اللّه تعالى عليهم الدّبر فحمته فلم يدن إليه أحد إلّا لدغت وجهه، و جاء منها شيء كثير لا طاقة لأحد به. فقالوا: دعوه إلى الليل، فإنه إذا جاء الليل ذهب عنه الدّبر. فلمّا جاء الليل بعث اللّه عليه سيلا- و كنّا ما نرى فى السماء سحابا فى وجه من الوجوه- فاحتمله فذهب به فلم يصلوا إليه. فقال عمر بن الخطّاب رضى اللّه عنه، و هو يذكر عاصما- و كان عاصم نذر ألّا يمسّ مشركا و لا يمسّه مشرك تنجّسا به. فقال عمر رضى اللّه عنه: إنّ اللّه عزّ و جلّ ليحفظ. المؤمنين، فمنعه اللّه عزّ و جلّ أن
[١] فى الأصل: «و جلده قياما»، و فى ت: «أصيب مرثد و خالد قياما»، و ما أثبتناه هو قراءة ب.
[٢] القحف: العظم الذي فوق الدماغ. (الصحاح، ص ١٤١٣).