المغازي - الواقدي - الصفحة ١٨٨ - قتل ابن الأشرف
(١) فقال أبو نائلة: حدثت لنا حاجة إليك. قال. و هو فى نادى قومه و جماعتهم:
ادن إلىّ فخبّرنى بحاجتك. و هو متغيّر اللون مرعوب- فكان أبو نائلة و محمّد ابن مسلمة أخويه من الرّضاعة- فتحدّثا ساعة و تناشدا الأشعار، و انبسط كعب و هو يقول بين ذلك: حاجتك! و أبو نائلة يناشده الشعر- و كان أبو نائلة يقول الشعر- فقال كعب: حاجتك، لعلّك أن تحبّ أن يقوم من عندنا؟ فلمّا سمع ذلك القوم قاموا. قال أبو نائلة: إنى كرهت أن يسمع القوم ذرو [١] كلامنا، فيظنّون! كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء، و حاربتنا العرب و رمتنا عن قوس واحدة، و تقطّعت السّبل عنّا حتى جهدت الأنفس و ضاع العيال، أخذنا بالصّدقة و لا نجد ما نأكل.
فقال كعب: قد و اللّه كنت أحدّثك بهذا يا ابن سلامة، أنّ الأمر سيصير إليه.
فقال أبو نائلة: و معى رجال من أصحابى على مثل رأيى، و قد أردت أن آتيك بهم فنبتاع منك طعاما أو تمرا و تحسن فى ذلك إلينا، و نرهنك ما يكون لك فيه ثقة. قال كعب: أما إنّ رفافى تقصف تمرا، من عجوة تغيب فيها الضرس، أما و اللّه ما كنت أحبّ يا أبا نائلة أن أرى هذه الخصاصة بك، و إن كنت من أكرم الناس علىّ، أنت أخى، نازعتك الثّدى! قال سلكان: اكتم عنّا ما حدّثتك من ذكر محمّد. قال كعب:
لا أذكر منه حرفا. ثم قال كعب: يا أبا نائلة، اصدقنى ذات نفسك، ما الذي تريدون فى أمره؟ قال: خذلانه و التنحّى عنه. قال: سررتني يا أبا نائلة! فما ذا ترهنوننى، أبناءكم و نساءكم؟ فقال: لقد أردت أن تفضحنا و تظهر أمرنا! و لكنّا نرهنك من الحلقة ما ترضى به. قال كعب:
إنّ فى الحلقة لوفاء. و إنما يقول ذلك سلكان لئلا ينكرهم إذا جاءوا بالسلاح.
[١] ذرو القول: طرفه. (أساس البلاغة، ص ٢٩٧).