المغازي - الواقدي - الصفحة ٢٩٨ - غزوة أحد
(١)
إلى أصحابه و أخذوا فى الرّحيل، فأشفق رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )و المسلمون فاشتدّت شفقتهم من أن يغير المشركون على المدينة فتهلك الذرارىّ و النساء، فقال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )لسعد بن أبى وقّاص: ائتنا بخبر القوم، إن ركبوا الإبل و جنّبوا الخيل فهو الظّعن، و إن ركبوا الخيل و جنّبوا الإبل فهي الغارة على المدينة. و الذي نفسي بيده، لئن ساروا إليها لأسيرنّ إليهم ثم لأناجزنّهم.
قال سعد: فوجّهت أسعى، و أرصدت فى نفسي إن أفزعنى شيء رجعت إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، فأنا أسعى، فبدأت بالسعي حين ابتدأت، فخرجت فى آثارهم حتى إذا كانوا بالعقيق، و كنت حيث أراهم و أتأمّلهم، فإذا هم قد ركبوا الإبل و جنّبوا الخيل، فقلت: إنه الظّعن إلى بلادهم.
فوقفوا وقفة بالعقيق و تشاوروا فى دخول المدينة، فقال لهم صفوان بن أميّة:
قد أصبتم القوم، فانصرفوا فلا تدخلوا عليهم و أنتم كالّون، و لكم الظفر، فإنكم لا تدرون ما يغشاكم. قد ولّيتم يوم بدر، و اللّه ما تبعوكم و الظفر لهم! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: نهاهم صفوان! فلمّا رآهم سعد على تلك الحال منطلقين، قد دخلوا فى المكيمن [١]، رجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و هو كالمنكسر، فقال: وجّه القوم يا رسول اللّه إلى مكّة، امتطوا الإبل و جنّبوا الخيل. فقال: ما تقول؟
فقلت ذلك، ثم خلا بى فقال: حقّا ما تقول؟ قلت: نعم يا رسول اللّه.
فقال: ما لى [٢] رأيتك منكسرا؟ قال، فقلت: كرهت أن آتى [٣] المسلمين
[١] فى الأصل: «المكتمن»، و فى ح: «المكمن»، و ما أثبتناه عن ب، ت. قال السمهودي:
مكيمن تصغير مكمن، و يقال مكيمن الجماء و هو الجبل المتصل بجماء تضارع ببطن العقيق.
(وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٧٦).
[٢] فى ح: «فما بالي».
[٣] فى ت: «كرهت أن يرى المسلمون».