المغازي - الواقدي - الصفحة ٦٢ - بدر القتال
(١) قالوا: فلمّا اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحىّ- و كان صاحب قداح- فقالوا: احزر لنا محمدا و أصحابه. فاستجال بفرسه حول المعسكر فصوّب فى الوادي و صعد، يقول: عسى أن يكون لهم مدد أو كمين. ثم رجع فقال: لا مدد و لا كمين، القوم ثلاثمائة إن زادوا قليلا، و معهم سبعون بعيرا، و معهم فرسان. ثم قال: يا معشر قريش، البلايا [١] تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليست لهم منعة و لا ملجأ إلّا سيوفهم! ألا ترونهم خرسا لا يتكلّمون، يتلمّظون تلمّظ الأفاعى! و اللّه، ما أرى أن يقتل منهم رجل حتى يقتل منّا رجلا، فإذا أصابوا منكم مثل عددهم فما خير فى العيش بعد ذلك! فارتأوا رأيكم! حدّثنا محمد قال: حدّثنا الواقدىّ قال: فحدّثنى يونس بن محمّد الظّفرىّ، عن أبيه قال: لمّا قال لهم عمير بن وهب هذه المقالة، أرسلوا أبا أسامة الجشمىّ- و كان فارسا- فأطاف بالنبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )و أصحابه، ثم رجع إليهم فقالوا له: ما رأيت؟ قال: و اللّه، ما رأيت جلدا، و لا عددا، و لا حلقة، و لا كراعا. و لكنّى و اللّه رأيت قوما لا يريدون أن يئوبوا [٢] إلى أهليهم، قوما مستميتين، ليست لهم منعة و لا ملجا إلّا سيوفهم، زرق العيون كأنّهم الحصى تحت الحجف [٣]. ثم قال:
أخشى أن يكون لهم كمين أو مدد. فصوّب فى الوادي ثم صعد، ثم رجع إليهم، ثم قال: لا كمين و لا مدد، فروا رأيكم! حدّثنا محمّد قال: حدّثنا الواقدىّ قال: فحدّثنا محمّد بن عبد اللّه،
[١] البلايا: جمع بلية، و هي الناقة أو الدابة تربط على قبر الميت فلا تعلف و لا تسقى حتى تموت.
(شرح أبى ذر، ص ١٥٦).
[٢] فى ح: «أن يردوا».
[٣] الحجف: جمع الحجفة، و هي الترس. (الصحاح، ص ١٣٤١).