المغازي - الواقدي - الصفحة ٤٠٣ - غِزِوِة دومة الجندل
(١) قالوا: أراد رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )أن يدنو إلى أدنى الشام، و قيل له إنها طرف من أفواه الشام، فلو دنوت لها كان ذلك ممّا يفزع قيصر. و قد ذكر له أنّ بدومة الجندل جمعا كثيرا، و أنهم يظلمون من مرّ بهم من الضّافطة [١]، و كان بها سوق عظيم و تجّار، و ضوى إليهم قوم من العرب كثير، و هم يريدون أن يدنوا من المدينة. فندب رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )الناس، فخرج فى ألف من المسلمين، فكان يسير الليل و يمكن النهار، و معه دليل له من بنى عذرة يقال له مذكور، هاد خرّيت، فخرج رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )مغذّا للسير، و نكب عن طريقهم،
و لمّا دنا رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )من دومة الجندل- و كان بينه و بينها يوم أو ليلة سير الراكب المعتق [٢]- قال له الدليل: يا رسول اللّه، إنّ سوائمهم ترعى فأقم لى حتى أطلع لك. قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: نعم.
فخرج العذرىّ طليعة حتى وجد آثار النّعم و الشاء و هم مغرّبون، ثم رجع إلى النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )فأخبره و قد عرف مواضعهم، فسار النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )حتى هجم على ماشيتهم و رعائهم، فأصاب رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )من أصاب، و هرب من هرب فى كلّ وجه. و جاء الخبر أهل دومة الجندل فتفرّقوا، و نزل رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )بساحتهم، فلم يجد بها أحدا، فأقام بها أيّاما و بثّ السرايا و فرقها حتى غابوا عنه يوما ثم رجعوا إليه، و لم يصادفوا منهم أحدا، و ترجع السريّة بالقطعة من الإبل،
[١] الضافطة: جمع ضافط، و هو الذي يجلب الميرة و المتاع إلى المدن، و المكاري الذي يكرى الأحمال و كانوا يومئذ قوما من الأنباط يحملون إلى المدينة الدقيق و الزيت. (النهاية، ج ٣، ص ٢٢).
[٢] أعتق الراكب فرسه إذا أعجلها. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٦٢).