المغازي - الواقدي - الصفحة ٣٨ - بدر القتال
(١) لا نأمن على من تخلّف، إنما تخلّف نساء و ذريّة، و من لا طعم [١] به فارتأوا آراءكم [٢]! فتصوّر لهم إبليس فى صورة سراقة بن جعشم المدلجىّ فقال: يا معشر قريش. قد عرفتم شرفى و مكاني فى قومي، أنا لكم جار أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه. فطابت نفس عتبة، و قال أبو جهل:
فما تريد؟ هذا سيد كنانة و هو لنا جار على من تخلّف. فقال عتبة:
لا شيء، أنا خارج! و كان الذي بين بنى كنانة و قريش فيما حدّثنى يزيد بن فراس اللّيثىّ، عن شريك بن أبى نمر، عن عطاء بن زيد اللّيثى، أن ابنا لحفص بن الأخيف أحد بنى معيص بن عامر بن لوى خرج يبغى ضالّة له، و هو غلام فى رأسه ذؤابة، و عليه حلّة، و كان غلاما وضيئا، فمر بعامر بن يزيد ابن عامر بن الملوّح بن يعمر، و كان بضجنان [٣]، فقال: من أنت يا غلام؟ قال: ابن لحفص بن الأخيف. فقال: يا بنى بكر، لكم فى قريش دم؟ قالوا: نعم. قال: ما كان رجل يقتل هذا برجله إلّا استوفى.
فأتبعه رجل من بنى بكر فقتله بدم كان له فى قريش. فتكلّمت فيه قريش، فقال عامر بن يزيد: قد كانت لنا فيكم دماء، فما شئتم؟ فإن شئتم فأدوا مالنا قبلكم و نؤدّى إليكم ما كان فينا، و إن شئتم فإنما هو الدم، رجل برجل، و إن شئتم فتجافوا عنّا فيما قبلنا، و نتجافى عنكم فيما قبلكم. فهان ذلك الغلام على قريش، و قالوا: صدق، رجل برجل! فلهوا عنه أن يطلبوا بدمه.
فبينا أخوه مكرز بن حفص بمرّ الظّهران، إذ نظر إلى عامر بن يزيد، و هو سيّد بنى بكر على جمل له، فلمّا رآه قال: ما أطلب أثرا بعد عين!
[١] الطعم بالضم: الطعام و القدرة. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ١٤٤).
[٢] فى ت: «رأيكم».
[٣] ضجنان: جبل بناحية مكة على طريق المدينة. (معجم ما استعجم، ص ٦١٨).