الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٩٦ - اختلفوا في صحة الاستثناء من غير الجنس
وأما الآية الثالثة ، فجوابها من وجهين : الأول : أن قوله تعالى : * ( وما لهم به من علم إلا اتباع الظن ) * ( ٤ ) النساء : ١٥٧ ) عام في كل ما يسمى علما ، والظن يسمى علما ، ودليله قوله تعالى * ( فإن علمتموهن مؤمنات ) * ( ٦٠ ) الممتحنة : ١٠ ) وأراد إن ظننتموهن لاستحالة اليقين بذلك ، وذلك إن كان من الأسماء المتواطئة ، فلا يكون الاستثناء من غير الجنس ، وإن كان من الأسماء المشتركة أو المجازية ، فهو من جملة الأسماء العامة كما سبق .
الثاني : أن ( إلا ) فيها ليست للاستثناء ، بل هي بمعنى ( لكن ) وكذلك الحكم فيما بعدها من الآيات .
وأما استثناء ( اليعافير والعيس ) من ( الأنيس ) ، فليس استثناء من غير الجنس ، لأنها مما يؤنس بها ، فهي من جنس الأنيس ، وإن لم تكن من جنس الانس ، بل وقد يحصل الانس بالآثار والأبنية والأشجار ، فضلا عن الحيوان .
وأما استثناء ( الأواري ) من ( أحد ) فإنما كان لأنه كما يطلق الأحد على الآدمي ، فقد يطلق على غيره من الحيوانات والجمادات ولذلك يقال : رأيت أحد الحمارين ، وركبت أحد الفرسين ، ورميت أحد الحجرين وأحد السهمين ، فلم يكن الاستثناء من غير الجنس من حيث إن الأواري مما يصدق عليها لفظة ( أحد ) وبتقدير أن لا يكون من الجنس ، فإلا ليست استثنائية حقيقة ، بل بمعنى ( لكن ) كما سبق .
وأما ( فلول السيوف ) فهو عيب في السيوف ، وإن كان يسبب فلولها فخرا ومدحة لأربابها ، فهو في الجملة استثناء من الجنس .
وقول العرب : ( ما زاد إلا ما نقص ) تقديره : ما زاد شئ إلا الذي نقص أي ينقص ، وهو استثناء من الجنس .
وقولهم : ( ما في الدار أحد إلا الوتد ) فجوابه كما سبق في ( الأواري ) من ( أحد ) .
وقوله : ( ما جاءني زيد إلا عمرو ) فإلا بمعنى ( لكن ) .
وما ذكروه من المعقول ، قولهم : إن الاستثناء لا يرفع جميع المستثنى منه ، فشئ لا إشعار له بصحة الاستثناء من غير الجنس .