الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣١٦ - التخصيص بالأدلة المنفصلة جواز تخصيص العموم بالدليل العقلي
قولهم إن حق المخصص أن يكون متأخرا عما خصصه . قلنا : يجب أن يكون متأخرا بالنظر إلى ذاته ، أو بالنظر إلى صفته ، وهو كونه مبينا ومخصصا ؟ الأول ممنوع ، والثاني مسلم . وذلك لان دليل العقل ، وإن كان متقدما في ذاته على الخطاب المفروض ، غير أنه لا يوصف قبل ذلك بكونه مخصصا لما يوجد ، وإنما يصير مخصصا ومبينا بعد وجود الخطاب . وأما الاستثناء فإنما لم يجز تقديمه ، لان المتكلم به لا يعد متكلما بكلام أهل اللغة ، كما إذا قال إلا زيدا ثم قال بعد ذلك قام القوم . وهذا بخلاف التخصيص ، فإنه إذا قال * ( الله خالق كل شئ ) * ( ٣٩ ) الزمر : ٦٢ ) وقام الدليل العقلي على أنه لم يرد بكلامه ذات الباري تعالى ، فإنه لا يخرج بذلك الكلام عن كونه متكلما بكلام العرب .
وأما امتناع النسخ بالعقل ، ، فإنما كان من جهة أن الناسخ معرف لبيان مدة الحكم المقصودة في نظر الشارع ، وذلك ما لا سبيل إلى الاطلاع عليه بمجرد قولهم : العقل ، بخلاف معرفة استحالة كون ذات الرب تعالى مخلوقة مقدورة قولهم ما المانع أن يكون التمسك بدليل العقل مشروطا بعدم معارضة الكتاب له . قلنا : إذ وقع التعارض بينهما ، وأحدهما مقتض للاثبات ، والآخر للنفي ، فلا سبيل إلى الجمع بين موجبيهما ، لما فيه من التناقض ، ولا إلى نفيهما ، لما فيه من وجود واسطة بين النفي والاثبات ، فلم يبق إلا العمل بأحدهما والعمل بعموم اللفظ مما يبطل دلالة صريح العقل بالكلية ، وهو محال ، والعمل بدليل العقل لا يبطل عموم الكتاب بالكلية ، بل غايته إخراج بعض ما تناوله اللفظ من جهة اللغة ، عن كونه مرادا للمتكلم ، وهو غير ممتنع ، فكان العمل بدليل العقل متعينا .