الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٦١ - إذا ورد خطاب خاص بالنبي فلا يعم الأمة
فإن قيل : نحن لا ننكر أن الخطاب الخاص بالواحد لا يكون خطابا لغيره مطلقا ، بل المدعى أن من كان مقدما على قوم ، وقد عقدت له الولاية والامارة عليهم ، وجعل له منصب الاقتداء به ، فإنه إذا قيل له اركب لمناجزة العدو ، وشن الغارة عليه وعلى بلاده فإن أهل اللغة يعدون ذلك أمرا لاتباعه وأصحابه .
وكذلك إذا أخبر عنه بأنه قد فتح البلد الفلاني ، وكسر العدو ، فإنه يكون إخبارا عن أتباعه أيضا . والنبي ، صلى الله عليه وسلم ، ممن قد ثبت كونه قدوة للأمة ومتبعا لهم ، فأمره ونهيه يكون أمرا ونهيا لامته ، إلا ما دل الدليل فيه على الفرق . ويدل على صحة ما ذكرناه قوله تعالى : * ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) * ( ٦٥ ) الطلاق : ١ ) ولم يقل إذا طلقت النساء فطلقهن وذلك يدل على أن خطابه خطاب لامته وأيضا قوله تعالى : * ( فلما قضى زيد منها وطرا ، زوجناكها ، لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ) * ( ٣٣ ) الأحزاب : ٣٧ ) أخبره أنه إنما أباحه ذلك ليكون ذلك مباحا للأمة ، ولو كانت الإباحة خاصة به ، لما انتفى الحرج عن الأمة .
وأيضا فإنه قد ورد الخطاب بتخصيصه ، عليه السلام ، بأحكام دون أمته كقوله تعالى : * ( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ) * ( ٣٣ ) الأحزاب : ٥٠ ) إلى قوله : * ( خالصة لك من دون المؤمنين ) * ( ٣٣ ) الأحزاب : ٥٠ ) وكقوله تعالى : * ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك ) * ( ١٧ ) الاسراء : ٧٩ ) ولو لم يكن الخطاب المطلق له خطابا لامته ، بل خاصا به ، لما احتيج إلى بيان التخصيص به هاهنا .
وما ذكرتموه من احتمال التفاوت في المصلحة والمفسدة ، فغير قادح مع ظهور المشاركة في الخطاب ، كما تقرر . ولهذا ، جاز تكليف الكل مع هذا الاحتمال ، لظهور الخطاب ، وجاز تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع عند ظن الاشتراك في الداعي مع احتمال التفاوت بين الأصل والفرع في المصلحة والمفسدة .