الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٦ - شروط المتواتر
ومنهم من قال : أقل ذلك اثنا عشر ، بعدد النقباء من بني إسرائيل ، على ما قال تعالى : * ( وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ) * ( ٥ ) المائدة : ١٢ ) وإنما خصهم بذلك العدد لحصول العلم بخبرهم ومنهم من قال : أقله عشرون ، تمسكا بقوله تعالى : * ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) * ( ٨ ) الأنفال : ٦٥ ) وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون به .
ومنهم من قال : أقل ذلك أربعون ، أخذا من عدد أهل الجمعة .
ومنهم من قال : أقلهم سبعون ، تمسكا بقوله تعالى : * ( واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ) * ( ٧ ) الأعراف : ١٥٥ ) وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون به .
ومنهم من قال : أقله ثلاثمائة وثلاثة عشر ، نظرا إلى عدد أهل بدر ، إنما خصوا بذلك ليعلم ما يخبرون به للمشركين .
ومنهم من قال : أقل عدد يحصل به العلم معلوم لله تعالى ، غير معلوم لنا ، وهذا هو المختار . وذلك لأنا لا نجد من أنفسنا معرفة العدد الذي حصل علمنا بوجود مكة ، وبغداد ، وغير ذلك من المتواترات عنده . ولو كلفنا أنفسنا معرفة ذلك عند توارد المخبرين بأمر من الأمور بترقب الحالة التي يكمل علمنا فيها بعد تزايد ظننا بخبر واحد بعد واحد ، لم نجد إليه سبيلا عادة ، كما لم نجد من أنفسنا العلم بالحالة التي يحصل فيها كمال عقولنا بعد نقصها ، بالتدريج الخفي ، لقصور القوة البشرية عن الوقوف على ذلك ، بل يحصل لنا العلم بخبر التواتر ، وإن كنا لا نقف على أقل عدد أفاده ، كما نعلم حصول الشبع بأكل الخبز ، والري بشرب الماء ، وإن كنا لا نقف على المقدار الذي حصل به الشبع والري .
وما قيل من الأقاويل في ضبط عدد التواتر ، فهي مع اختلافها وتعارضها وعدم مناسبتها وملائمتها للمطلوب ، مضطربة فإنه ما من عدد يفرض حصول العلم به لقوم إلا وقد يمكن فرض خبرهم بعينه غير مفيد للعلم ، بالنظر إلى آخرين ، بل ولو أخبروا بأعيانهم بواقعة أخرى لم يحصل بها العلم لمن حصل له العلم بخبرهم الأول ، ولو كان ذلك العدد هو الضابط لحصول العلم لما اختلف ، وإنما وقع الاختلاف بسبب الاختلاف في القرائن المقترنة بالخبر ، وقوة سماع المستمع وفهمه وإدراكه للقرائن .