الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٠٤ - الجمل المتعاقبة بالواو إذا تعقبها الاستثناء
أما النص فقوله تعالى * ( والذين يرمون المحصنات ، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ، فاجلدوهم ثمانين جلدة ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ، وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا ) * ( ٢٤ ) النور : ٤ - ٥ ) فإنه راجع إلى قوله وأولئك هم الفاسقون ولم يرجع إلى الجلد بالاتفاق .
وأيضا قوله تعالى * ( فتحرير رقبة مؤمنة ، ودية مسلمة إلى أهله ) * ( ٤ ) النساء : ٩٢ ) وقوله * ( إلا أن يصدقوا ) * ( ٤ ) النساء : ٩٢ ) راجع إلى الدية دون الاعتاق بالاتفاق .
قلنا : أما الآية الأولى ، فلا نسلم اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة منها ، بل هو عائد إلى جميع الجمل عدا الجلد ، لدليل دل عليه ، وهو المحافظة على حق الآدمي .
أما الآية الأخرى ، فإنما امتنع عود الاستثناء إلى الاعتاق ، لأنه حق الله تعالى ، وتصدق الولي لا يكون مسقطا لحق الله تعالى .
وأما من جهة المعقول فحجج :
الحجة الأولى أن الاستثناء من الجملة إذا تعقبه استثناء كان الاستثناء الثاني عائدا إلى الجملة الاستثنائية ، لا إلى الجملة الأولى ، فدل على اختصاص الاستثناء بالجملة المقارنة دون المتقدمة ، وإلا كان عدم عوده إلى المتقدمة على خلاف الأصل ، وذلك كما لو قال له علي عشرة إلا أربعة إلا اثنين فإن الاستثناء الثاني يختص بالأربعة دون العشرة .
ولقائل أن يقول : الاستثناء الثاني إما أن يكون بحرف عطف أو لا بحرف عطف . فإن كان الأول ، فهو راجع إلى الجملة المستثنى منها كقوله له علي عشرة إلا ثلاثة ، وإلا اثنين فيكون المقر به خمسة . وإن كان الثاني ، كقوله له علي عشرة إلا أربعة إلا اثنين فإنما امتنع عوده إلى الجملة المستثنى منها لدليل ، لا لعدم اقتضائه لذلك لغة ، وذلك ، أن الاستثناء الثاني لو عاد إلى الجملة المستثنى منها فإما أن يعود إليها لا غير ، أو إليها وإلى الاستثناء : الأول ممتنع ، لان الاجماع منعقد على دخول الاستثناء الأول تحت الاستثناء الثاني ، فقطعه عنه ورده إلى الجملة المستثنى منها لا غير ، يكون على خلاف الاجماع وإن كان عائدا إلى الاستثناء والمستثنى والمستثنى منه فالمستثنى منه إثبات فالاستثناء منه يكون نفيا ، لان الاستثناء من الاثبات نفي ، والاستثناء من الاستثناء يكون إثباتا ، لان الاستثناء من النفي إثبات