الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١١ - الخبر ينقسم إلى صادق وكاذب
فإنه لا يوصف بكونه كاذبا ، ولا يستحق الذم على ذلك . ولا يوصف بكونه صادقا لعدم مطابقة الخبر للمخبر . وإنما الصادق ما طابق المخبر مع اعتقاد المخبر أنه كذلك . والكذب ما لم يطابق المخبر ، مع اعتقاده أنه كذلك الثاني أنه إذا جاز أن يفرض في الاعتقاد واسطة بين كونه علما أو جهلا ، لا يوصف بكونه علما ، ولا جهلا مركبا ، كاعتقاد العامي المقلد وجود الاله تعالى ، جاز أن يفرض بين الصادق والكاذب خبر ليس بصادق ولا كاذب .
والجواب عن الآية أنهم إنما حصروا أمره بين الكذب والجنة ، لان قصد الدلالة به على مدلوله شرط في كونه خبرا والمجنون ليس له قصد صحيح ، فصار كالنائم والساهي ، إذا صدرت منه صيغة الخبر ، فإنه لا يكون خبرا ، وحيث لم يعتقدوا صدقه ، لم يبق إلا أن يكون كاذبا ، أو لا يكون ما أتى به خبرا ، وإن كانت صورته صورة الخبر أما أن يكون خبرا ، وليس صادقا فيه ولا كاذبا ، فلا .
وعن الوجه الأول من المعقول : أنا لا نسلم أن من أخبر عن كون زيد في الدار ، على اعتقاد أنه ليس فيها وهو فيها ، أن خبره لا يكون صادقا ، وإن كان لا يستحق المدح على الصدق .
وكذلك لا نسلم أن من أخبر بأن زيدا في الدار ، على اعتقاد كونه فيها ، ولم يكن فيها ، أنه ليس كاذبا وإن كان لا يستحق الذم على كذبه . لان المدح والذم ليس على نفس الصدق والكذب لا غير ، بل على الصدق مع قصده ، والكذب مع قصده . ولهذا : فإن الأمة حاكمة بأن الكافر الذي علم منه اعتقاد بطلان رسالة محمد ، عليه السلام ، صادق بإخباره بنبوة محمد ، لما كان خبره مطابقا للمخبر ، وإن لم يكن معتقدا لذلك ، ولا قاصدا للصدق ، وحاكمة بكذبه في إخباره أنه ليس برسول ، وإن كان معتقدا لما أخبر به لما كان خبره غير مطابق للمخبر . وأما تخصيص عموم خبر القرآن ، وتقييد مطلقه ، فإنما لم يكن كذبا ، وإن لم يكن الخبر محمولا على ظاهره من العموم والاطلاق لأنه مصروف عن حقيقته إلى مجازه ، وصرف اللفظ عن أحد مدلوليه إلى الآخر لا يكون كذبا ، وسواء كان ذلك اللفظ من قبيل الألفاظ المشتركة أو