الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٣٨ - الخلاف في قبول الخبر المرسل
وهو أيضا فاسد من حيث إنه أخذ الامر في تعريف الامر وتعريف الشئ بنفسه محال . وإن اقتصروا في التحديد على القول بأن الامر صيغة افعل المجردة عن القرائن لا غير ، وزعموا أن صيغة افعل فيما ليس بأمر لا تكون مجردة عن القرائن ، فليس ما ذكروه أولى من قول القائل : التهديد عبارة عن صيغة افعل المجردة عن القرائن ، إلا أن يدل عليه دليل من جهة السمع ، وهو غير متحقق .
ومنهم من قال : الامر صيغة افعل بشرط إرادات ثلاث إرادة إحداث الصيغة ، وإرادة الدلالة بها على الامر ، وإرادة الامتثال : فإرادة إحداث الصيغة ، احتراز عن النائم إذا وجدت هذه الصيغة منه ، وإرادة الدلالة بها على الامر احتراز عما إذا أريد بها التهديد أو ما سواه من المحامل ، وإرادة الامتثال احتراز عن الرسول الحاكي المبلغ ، فإنه ، وإن أراد إحداث الصيغة والدلالة بها على الامر ، فقد لا يريد بها الامتثال .
وهو أيضا فاسد من وجهين :
الأول : أنه أخذ الامر في حد الامر ، وتعريف الشئ بنفسه محال ممتنع الثاني : هو أن الامر الذي هو مدلول الصيغة إما أن يكون هو الصيغة ، أو غير الصيغة : فإن كان هو نفس الصيغة ، كان الكلام متهافتا من حيث إن حاصله يرجع إلى أن الصيغة ، دالة على الصيغة ، والدال غير المدلول . وإن كان هو غير الصيغة ، فيمتنع أن يكون الامر هو الصيغة ، وقد قال بأن الامر هو صيغة افعل بشرط الدلالة على الامر ، فإن الشرط غير المشروط . وإذا كان الامر غير الصيغة ، فلا بد من تعريفه والكشف عنه ، إذ هو المقصود في هذا المقام .
ولما انحسمت عليهم طرق التعريف ، قال قائلون منهم : الامر هو إرادة الفعل ، وقد احتج الأصحاب على إبطاله بأن السيد المعاتب من جهة السلطان على ضرب عبده ، إذا اعتذر عن ذلك قصد إظهار أمره وأمره بين يدي السلطان قصدا لاظهار مخالفته ، لبسط عذره والخلاص من عقاب السلطان له ، فإنه يعد آمرا ، والعبد مأمورا ، ومطيعا بتقدير الامتثال ، وعاصيا بتقدير المخالفة ، مع علمنا بأنه لا يريد منه الامتثال لما فيه من ظهور كذبه وتحقيق عقاب السلطان له ، والعاقل لا يقصد ذلك . غير أن مثل هذا لازم على أصحابنا