الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٧٤ - شروط العمل بخبر الواحد تفصيلا
أما الأول ، فلان للخصم منع اتفاق الأمة على رد قول الكافر مطلقا ، ولا سبيل إلى الدلالة عليه ، والقياس على الكافر الخارج عن الملة متعذر من جهة أن كفره أشد وأغلظ وأظهر من كفر من هو من أهل القبلة ، لكثرة مخالفته للقاعدة الاسلامية أصولا وفروعا ، بالنسبة إلى مخالفة المتأول لها . فكان إذلاله بسلب هذا المنصب عنه أولى . ومع هذه الأولوية ، فلا قياس ، بل الواجب الاعتماد في ذلك على قوله تعالى : * ( إن جاءكم فاسق بنبأ ، فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ) * ( ٤٩ ) الحجرات : ٦ ) أمر بالتثبت عند إخبار الفاسق ، والكافر فاسق ، لان الكفر أعلى درجات الفسق . وإذا كان فاسقا ، فالآية إن كانت عامة بلفظها في كل فاسق ، فالكافر داخل تحتها ، وإن لم تكن عامة بلفظها في كل فاسق ، فهي عامة بالنظر إلى المعنى المومى إليه ، وهو الفسق من حيث إنه رتب رد الخبر على كون الآتي به فاسقا مطلقا في كلام الشارع مع مناسبته له ، فكان ذلك علة للرد ، وهو متحقق فيما نحن فيه .
فإن قيل المرتب عليه رد الاخبار إنما هو مسمى الفاسق ، وهو في عرف الشرع خاص بمن هو مسلم صدرت منه كبيرة ، أو واظب على صغيرة ، فلا يكون متناولا للكافر . وإن سلمنا تناوله للكافر ، غير أنه معارض بقوله صلى الله عليه وسلم : نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر والكافر المتأول ، إذا كان متحرزا عن الكذب ، فقد ظهر صدقه ، فوجب العمل به للخبر .
والجواب عن السؤال الأول بمنع اختصاص اسم الفاسق في الشرع بالمسلم ، وإن كان ذلك عرفا للمتأخرين من الفقهاء ، وكلام الشارع إنما ينزل على عرفه ، لا على ما صار عرفا للفقهاء .
كيف وإن حمل الآية على الفاسق المسلم مما يوهم قبول خبر الفاسق الكافر على الاطلاق ، نظرا إلى قضية المفهوم ، وهو خلاف الاجماع . ولا يخفى أن حمل اللفظ على ما يلزم منه مخالفة دليل ، أو ما اختلف في كونه دليلا على خلاف الأصل .
وعن السؤال الثاني أن العمل بما ذكرناه أولى ، لتواتره وخصوصه بالفاسق ، وأنه غير متفق على تخصيصه ومخالفته . وما ذكروه آحاد ، وهو متناول للكافر