الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٢٦ - الخلاف في قبول الخبر المرسل
وأما ما ذكرتموه من المعقول فلا نسلم أن قول الراوي قال رسول الله تعديل للمروي عنه ، وذلك لأنه قد يروي الشخص عمن لو سئل عنه ، لجرحه ، أو توقف فيه ، فالراوي ساكت عن التعديل والجرح ، والسكوت عن الجرح لا يكون تعديلا ، وإلا كان السكوت عن التعديل جرحا . ولهذا ، فإن شاهد الفرع لو أرسل شهادة الأصل ، فإنه لا يكون تعديلا لشاهد الأصل لما ذكرناه .
قولكم : لو لم يكن ظانا لعدالة المروي عنه ، أو عالما بها ، لما جاز له أن يجزم بالرواية عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قلنا : قد بينا إمكان الرواية عن الكاذب والجزم بالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مع تجويز كذب الراوي ، وذلك قادح في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وإذا تعذر الجزم ، فليس حمل قوله ( قال ) على معنى ( أظن أنه قال ) أولى من حمله على ( أني سمعت أنه قال ) ولو حمل على ( أني سمعت أنه قال ) لم يكن ذلك تعديلا ، وعلى هذا فلا يكون بروايته مدلسا ولا ملبسا .
سلمنا أن الارسال تعديل للمروي عنه ، ولكن لا نسلم أن مطلق التعديل مع قطع النظر عن ذكر أسباب العدالة كاف في التعديل ، كما سبق .
سلمنا أن مطلق التعديل كاف ، لكن إذا عين المروي عنه ولم يعرف بفسق . وأما إذا لم يعينه ، فلعله اعتقده عدلا في نظره ، ولو عينه لعرفنا فيه فسقا لم يطلع المعدل عليه .
ولهذا لم يقبل تعديل شاهد الفرع لشاهد الأصل مع عدم تعيينه .
سلمنا دلالة ما ذكرتموه على التعديل ، لكنه معارض بما يدل على عدم التعديل ، وبيانه من ستة أوجه .
الأول : أن الجهالة بعين الراوي آكد من الجهل بصفته وذلك لان من جهلت ذاته فقد جهلت صفته ، ولا كذلك بالعكس . ولو كان معلوم العين ، مجهول الصفة ، لم يكن خبره مقبولا ، فإذا كان مجهول العين والصفة ، أولى أن لا يكون خبره مقبولا .
الثاني : أن من شرط قبول الرواية المعرفة بعدالة الراوي ، والمرسل لا يعرف عدالة الراوي له ، ، فلا يكون خبره مقبولا لفوات الشرط .
الثالث : هو أن الخبر كالشهادة في اعتبار العدالة . وقد ثبت أن الارسال في الشهادة مانع من قبولها ، فكذلك الخبر .