الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢١ - هل العلم الحاصل بالتواتر ضروري أو نظري
ولقائل أن يقول : سلمنا أن النظر عبارة عما ذكر ، لكن لا نسلم تحققه فيما نحن فيه . وما المانع أن يكون اتفاقهم على الكذب ، لا لغرض مع كونه مقدورا لهم ، فإن قال بأن العادة تحيل اتفاق الجمع الكثير على الكذب لا لغرض ومقصود .
قلنا : والعادة أيضا تحيل اتفاقهم على الصدق لا لغرض ومقصود ، فلم قلت بعدم الغرض في الصدق دون الكذب ، وإذا لم يكن غرض ، فليس الصدق أولى من الكذب .
فإن قلنا : الغرض في الصدق كونه صدقا ، لكونه حسنا ، ولا كذلك الكذب لكونه قبيحا ، فهو مبني على التحسين والتقبيح العقلي ، وقد أبطلناه .
فإن قال : المراد إنما هو التحسين والتقبيح العرفي دون العقلي ، ولا شك أن أهل العرف يعدون الكذب قبيحا ، والصدق حسنا .
قلنا : التحسين والتقبيح العرفي راجع إلى موافقة الغرض ومخالفته . وعلى هذا ، فلعل الكذب من حيث هو كذب فيما أخبروا به موافق لاغراضهم دون الصدق ، فكان حسنا ، كما في اتفاقهم على الصدق في بعض ما أخبروا به ، سلمنا أنهم لا يجمعون على الكذب إلا لغرض ، ولكن ما المانع منه ؟ فإنا قد نجد الجمع الكثير متفقين على وضع الأحاديث والاخبار لحكمة عائدة إليهم ، وذلك كأهل مدينة أو جيش عظيم اتفقوا على وضع خبر لا أصل له ، إما لدفع مفسدة عنهم لا سبيل إلى دفعها إلا به ، وإما لجلب مصلحة لا تحصل إلا به . وهذا مما يغلب مثله في كل عصر وزمان حتى إن أكثر الاخبار العامة الشائعة الواقعة في المعتاد كذلك .
فإن قال بأن ذلك ، وإن كان واقعا ، إلا أن العادة تحيل دوامه ، وتوجب انكشافه عن قرب من الزمان .
قلنا : فإذا آل الامر إلى التمسك بالعادة في استحالة اتفاقهم على الكذب دائما فما المانع أن يقال بأن العادة موجبة لصدق المخبرين ، إذا كانوا جمعا كثيرا ، وحصول العلم بخبرهم ، وليس القول بأن العادة تحيل اتفاقهم على الكذب ، ويلزم من ذلك الصدق ، أولى من أن يقال العادة توجب اتفاقهم على الصدق ، ويلزم من ذلك امتناع اتفاقهم على الكذب ، وعند ذلك ، فيخرج العلم بخبر التواتر عن كونه نظريا .