الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٠ - هل العلم الحاصل بالتواتر ضروري أو نظري
المتقدمة عليه ، ولا في ترتيبها المفضي إليه . ولو كان نظريا لما كان كذلك .
ولقائل أن يقول إنما يحتاج ذلك إلى الفكر والنظر المقدمات وترتيبها ، إن لو لم يكن العلم بتلك الأمور حاصلا بالضرورة على ما بيناه في إبطال الحجة الأولى .
وأما إذا كان حاصلا بالضرورة ، فلا .
الحجة الثالثة أن العلم بخبر التواتر لا ينتفي بالشبهة ، وهذه هي أمارة الضرورة . ولقائل أن يقول : المنفي بالشبهة العلم النظري الذي مقدماته نظرية ، أو الذي مقدماته ضرورية . الأول مسلم ، والثاني ممنوع .
الحجة الرابعة أنه لو كان نظريا ، لأمكن الاضراب عنه ، كما في سائر النظريات .
وحيث لم يمكن ذلك ، دل على كونه ضروريا .
ولقائل أن يقول : الذي يمكن الاضراب عنه من العلوم النظرية إنما هو العلم المفتقر إلى المقدمات النظرية . وأما ما لزمه من مقدمات حاصلة بالضرورة ، فلا .
الحجة الخامسة أنه لو كان نظريا ، لوقع الخلاف فيه بين العقلاء ، وحيث لم يقع إلا من معاند كما سبق ، كان ضروريا كالعلم بالمحسات ونحوه .
ولقائل أن يقول : تسويغ الخلاف عقلا إنما يكون في العلوم النظرية التي مقدماتها نظرية . وأما مقدماتها ضرورية فلا ، كما في المحسات .
وأما حجج القائلين بالنظر ، فأولها ، وهي ما استدل بها أبو الحسين البصري أن قال الاستدلال ترتيب علوم يتوصل بها إلى علم آخر ، فكلما وقف وجوده عل ترتيب فهو نظري ، والعلم الواقع بخبر التواتر كذلك ، فكان نظريا . وذلك ، لأنا إنما نعلم ذلك ، إذا علمنا أن المخبر لم يخبر عن رواية بل عن أمر محسوس ، لا لبس فيه وأنه لا داعي له إلى الكذب ، فيعلم أنه لا يكون كذبا . وإذا لم يكن كذبا تعين كونه صدقا . ومهما اختل شئ من هذه الأمور لم نعلم صحة الخبر ، ولا معنى لكونه نظريا سوى ذلك .