الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٩٢ - النهي عن الفعل لا يدل على صحته
وعن الاجماع لا نسلم صحة احتجاجهم بدلالة النهي لغة على الفساد ، بل إن صح ذلك فإنما يصح بالنظر إلى دلالة الالتزام على ما قررنا ، ويجب الحمل عليه جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الدليل ، وبه يخرج الجواب عن الوجه الأول من المعنى .
وعن الثاني من المعنى أن النهي وإن كان مقابلا للامر ، فلا نسلم أن الامر مقتض للصحة ، حتى يكون النهي مقتضيا للفساد . وإن سلمنا اقتضاء الامر للصحة ، وأن النهي مقابل له ، فلا نسلم لزوم اختلاف حكميهما لجواز اشتراك المتقابلات في لازم واحد .
وإن سلم أنه يلزم من ذلك تقابل حكميهما ، فيلزم أن لا يكون النهي مقتضيا للصحة .
أما أن يكون مقتضيا للفساد ، فلا ، وأما النقض بالنهي عن العبادة فمندفع ، لأنه مهما كان النهي عن الفعل لعينه ، فلا يتصور أن يكون عبادة مأمورا بها ، وما لم يكن عبادة فلا يتصور صحته عبادة ، وإن قيل بفساده من جهة خروجه عن كونه سببا لترتيب الاحكام الخاصة به عليه ، فهو محل النزاع .
وعن الاعتراض الأخير أنا لا نقضي بالفساد لوجود مناسب الفساد ليفتقر إلى شاهد بالاعتبار ، وإنما قضينا بالفساد لعدم المناسب المعتبر بما بيناه من استلزام النهي لذلك .
المسألة الثانية اتفق أصحابنا على أن النهي عن الفعل لا يدل على صحته ونقل أبو زيد عن محمد بن الحسن وأبي حنيفة أنهما قالا : يدل على صحته .
والمختار مذهب أصحابنا لوجهين :
الأول : أن النهي لو دل على الصحة ، فإما أن يدل عليها بلفظه أو بمعناه ، إذ الأصل عدم ما سوى ذلك ، واللازم ممتنع ، وبيان امتناع دلالته على الصحة بلفظه أن صحة الفعل لا معنى لها سوى ترتب أحكامه الخاصة به عليه ، والنهي لغة لا يزيد على طلب ترك الفعل ، ولا إشعار له بغير ذلك نفيا ولا إثباتا .