الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٦٢ - الخلاف بين من قالوا بجواز التعبد بخير الواحد في وجوب العمل به عقلا ونقلا
وبتقدير دلالة ذلك على وجوب القبول لكنها دلالة ظنية ، فلا يحتج بها في الأصول .
ومنها قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا ، كونوا قوامين بالقسط ، شهداء لله ) * ( ٤ ) النساء : ١٣٥ ) أمر بالقيام بالقسط والشهادة لله ، والامر للوجوب . ومن أخبر عن الرسول بما سمعه منه ، فقد قام بالقسط وشهد لله ، فكان ذلك واجبا عليه ، وإنما يكون ذلك واجبا إن لو كان القبول واجبا ، وإلا كان وجود الشهادة كعدمها ، وهو ممتنع .
ولقائل أن يقول : لا أسلم دلالة الآية على وجوب القيام بالقسط والشهادة لله على ما يأتي . وإن سلمنا دلالتها على وجوب ذلك ، غير أنا نقول بموجب الآية ، فإن الشهادة لله ، والقيام بالقسط إنما يكون فيما يجوز العمل به . وأما ما لا يجوز العمل به فلا يكون قياما بالقسط ، ولا شهادة لله . وعند ذلك ، فيتوقف العمل بالآية في وجوب قبول خبر الواحد . على أنه قام بالقسط ، وأنه شاهد لله وقيامه بالقسط وشهادته لله متوقف عل قبول خبره وجواز العمل به ، وهو دور ممتنع .
وإن سلمنا أنه شهد لله ، وقام بالقسط ، ولكن لا نسلم أنه واجب القبول ، ودليله ما سبق وبتقدير دلالة الآية على وجوب القبول ، ولكن لجهة الظن ، فلا يصح .
ومنها ما اشتهر ، واستفاض بالنقل المتواتر عن النبي ، صلى الله عليه وسلم أنه كان ينفذ آحاد الصحابة إلى النواحي والقبائل والبلاد بالدعاء إلى الاسلام ، وتبليغ الاخبار والاحكام ، وفصل الخصومات ، وقبض الزكوات ونحو ذلك ، مع علمنا بتكليف المبعوث إليه بالطاعة والانقياد لقبول قول المبعوث إليهم ، والعمل بمقتضى ما يقول ، مع كون المنفذ من الآحاد . ولو لم يكن خبر الواحد حجة ، لما كان كذلك .