الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٤٧ - نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي الاستواء في جميع الأمور
المسألة الثامنة نفي المساواة بين الشيئين ، كما في قوله تعالى : * ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ) * ( ٥٩ ) الحشر : ٢٠ ) يقتضي نفي الاستواء في جميع الأمور عند أصحابنا القائلين بالعموم ، خلافا لأبي حنيفة ، فإنه قال : إذا وقع التفاوت ، ولو من وجه واحد ، فقد وفى بالعمل بدلالة اللفظ .
حجة أصحابنا أنه إذا قال القائل لا مساواة بين زيد وعمرو فالنفي داخل على مسمى المساواة ، فلو وجدت المساواة من وجه ، لما كان مسمى المساواة منتفيا ، وهو خلاف مقتضى اللفظ .
فإن قيل الاستواء ينقسم إلى الاستواء من كل وجه ، وإلى الاستواء من بعض الوجوه ، ولهذا يصدق قول القائل استوى زيد وعمرو عند تحقق كل واحد من الامرين . والاستواء مطلقا أعم من الاستواء من كل وجه ، ومن وجه دون وجه ، والنفي إنما دخل على الاستواء الأعم ، فلا يكون مشعرا بأحد القسمين الخاصين .
وأيضا فإنه لا يكفي في إطلاق لفظ المساواة الاستواء من بعض الوجوه ، وإلا لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الأشياء لأنه ما من شيئين إلا ولا بد من استوائهما في أمر ما ، ولو في نفي ما سواهما عنهما . ولو صدق ذلك وجب أن يكذب عليه غير المساوي لتناقضهما عرفا . ولهذا ، فإن من قال هذا مساو لهذا فمن أراد تكذيبه قال لا يساويه والمتناقضان لا يصدقان معا ، ويلزم من ذلك أن لا يصدق على شيئين أنهما غير متساويين ، وذلك باطل ، فعلم أنه لا بد في اعتبار المساواة من التساوي من كل وجه . وعند ذلك ، فيكفي في نفي المساواة نفي الاستواء من بعض الوجوه ، لان نقيض الكلي الموجب ، جزئي سالب ، فثبت أن نفي المساواة لا يقتضي نفي المساواة من كل وجه .
وأيضا فإنه لو كان نفي المساواة يقتضي نفي المساواة من كل وجه ، لما صدق نفي المساواة حقيقة على شيئين أصلا ، لأنه ما من شيئين إلا وقد استويا في أمر ما كما سبق . وهو على خلاف الأصل ، إذ الأصل في الاطلاق الحقيقة دون المجاز .