الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٧ - خبر الواحد العدل هل يفيد العلم
وأما جواز وقوع العلم بخبر الواحد ، إذا احتفت به القرائن ، فيدل عليه أن القرينة قد تفيد الظن مجردة عن الخبر . وذلك كما إذا رأينا إنسانا يكثر من النظر إلى شخص مستحسن ، ، فإنا نظن حبه له . فإذا اقترن بذلك ملازمته له ، زاد ذلك الظن ولا يزال في التزايد بزيادة خدمته له وبذل ما له وتغير حاله ، إلى غير ذلك من القرائن ، حتى يحصل العلم بحبه له ، كما في تزايد الظن بأخبار الآحاد حتى يصير تواترا . وكذلك علمنا بخجل من هجن ، ووجل من خوف ، باحمرار هذا ، واصفرار هذا . وبهذا الطريق نعلم عند ارتضاع الطفل وصول اللبن إلى جوفه بكثرة امتصاصه وازدراده ، وحركة حلقه مع كون المرأة شابة نفساء ، وبسكون الصبي بعد بكائه ، إلى غير ذلك من القرائن .
وإذا كانت القرائن المتضافرة بمجردها مفيدة للعلم ، فلا يبعد أن تقترن بالخبر المفيد للظن قرينة مفيدة للظن ، قائمة مقام اقتران خبر آخر به . ثم لا يزال التزايد في الظن بزيادة اقتران القرائن إلى أن يحصل العلم ، كما في خبر التواتر .
وإذا ثبت الجواز فبيان الوقوع أنه لو أخبر واحد أن ولد الملك قد مات ، واقترن بذلك علمنا بمرضه ، وأنه لا مريض في دار الملك سواه ، وما شاهدناه من الصراخ العالي في داره ، والنحيب الخارج عن العادة ، وخروج الجنازة محتفة بالخدم ، والجواري حاسرات مبرحات يلطمن خدودهن ، وينقضن شعورهن ، والملك ممزق الثوب حاسر الرأس يلطم وجهه ، وهو مضطرب البال ، مشوش الحال ، على خلاف ما كان من عادته من التزام الوقار والهيبة ، والمحافظة على أسباب المروءة ، فإن كل عاقل سمع ذلك الخبر ، وشاهد هذه القرائن يعلم صدق ذلك المخبر ، ويحصل له العلم بمخبره ، كما يعلم صدق خبر التواتر ووقوع مخبره .
وكذلك إذا أخبر واحد ، مع كمال عقله ، وحسه بحياة نفسه وكراهته للألم ، وهو في أرغد عيشة ، نافذ الامر ، قائم الجاه أنه قتل من يكافئه عمدا عدوانا ، بآلة يقتل مثلها غالبا ، من غير شبهة له في قتله ولا مانع له من القصاص ، كان خبره مع هذه القرائن موجبا للعلم بصدقه عادة .
وكذلك ، إذا كان في جوار إنسان امرأة حامل ، وقد انتهت مدة حملها ، فسمع الطلق من وراء الجدار ، وضجة النسوان حول تلك الحامل ، ثم سمع صراخ