الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٠٥ - الجمل المتعاقبة بالواو إذا تعقبها الاستثناء
على ما يأتي تقريره عن قريب ، وذلك ممتنع لوجهين :
الأول : أنه يلزم منه أن يكون قد أثبت لعوده إلى أحدهما مثل ما نفاه عن الآخر ، ويكون جابرا للنفي بالاثبات ، ويبقى ما كان متحققا قبل الاستثناء الثاني بحاله وفيه إلغاء الاستثناء الثاني وخروجه عن التأثير ، وهو خلاف الاجماع .
الوجه الثاني : أنه يلزم منه أن يكون بعوده إلى الجملة الأولى قد نفى عنها مثل ما أثبته لها بعوده إلى الاستثناء الثاني ، فيكون الاستثناء الواحد مقتضيا لنفي شئ وإثباته بالنسبة إلى شئ واحد ، وهو محال .
الحجة الثانية : أن الجملة الأخيرة حائلة بين الاستثناء والجملة الأولى ، فكان ذلك مانعا من العود إليها كالسكوت .
ولقائل أن يقول : إنما يصح ذلك أن لو لم يكون الكلام كله بمنزلة جملة واحدة .
وأما إذا كان كالجملة الواحدة ، فلا .
الحجة الثالثة : أنه استثناء تعقب جملتين ، فلا يكون بظاهره عائدا إليهما ، كما لو قال أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعة فأنه لا يعود إلى الجميع وإلا لوقع به طلقتان لا ثلاث طلقات .
قلنا : لا نسلم امتناع عوده إلى الجميع ، بل هو عائد إلى الجميع ، والواقع طلقتان على رأي لنا . وإن سلمنا امتناع عوده إلى الجميع ، فلان المعتبر من قوله ثلاثا وثلاثا إنما هو الجملة الأولى دون الثانية . فلو عاد الاستثناء إليها لكان مستغرقا وهو باطل .
الحجة الرابعة : أن دخول الجملة الأولى تحت لفظه معلوم ، ودخولها تحت الاستثناء مشكوك فيه ، والشك لا يرفع اليقين .
قلنا : لا نسلم تيقن دخوله مع اتصال الاستثناء بالكلام ، ثم وإن كان ذلك مما يمنع من عود الاستثناء إلى الجمل المتقدمة ، فهو مانع من اختصاصه بالجملة الأخيرة لجواز عوده بالدليل إلى الجملة المتقدمة دون المتأخرة ، ثم يلزم منه أن لا يعود الشرط والصفة على باقي الجمل لما ذكروه ، وهو عائد عند أكثر القائلين باختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة .