الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٧ - ما يشترك فيه الكتاب والسنة ولاجماع النظر في السند حقيقة الخبر وأقسامه
الرابع : أن الباري تعالى له خبر ، ولا يتصور دخول الكذب فيه .
وقد أجاب الجبائي عن قول القائل محمد ومسيلمة صادقان بأن هذا الكلام يفيد صدق أحدهما في حال صدق الآخر ، فكأنه قال أحدهما صادق حال صدق الآخر . ولو قال ذلك كان قوله كاذبا ، فكذلك إذا قال : هما صادقان ، وهو إنما يصح أن لو كان معنى هذا الكلام ما قيل ، وليس كذلك ، بل قوله . هما صادقان ، أعم من كون أحدهما صادقا ، حال صدق الآخر ، وقبله وبعده . والأعم غير مشعر بالأخص ، ولا يلزم من كذب الأخص كذب الأعم .
وأجاب أبو هاشم بأن هذا الخبر جار مجرى خبرين : أحدهما خبر بصدق الرسول ، والآخر خبر بصدق مسيلمة . والخبران لا يوصفان بالصدق ولا بالكذب ، فكذلك هاهنا . وإنما الذي يوصف بالصدق والكذب الخبر الواحد من حيث هو خبر ، وليس بحق أيضا فإنه إنما ينزل منزلة الخبر من حيث إنه أفاد حكما واحدا لشخصين ، وهو غير مانع من وصفه بالصدق والكذب ، بدليل الكذب في قول القائل : كل موجود حادث وإن كان يفيد حكما واحدا لأشخاص متعددة .
وأجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن قال : المراد من قولنا : ما دخله الصدق والكذب أن اللغة لا تحرم أن يقال للمتكلم به : صدقت أو كذبت . وهو أيضا غير صحيح . فإن حاصله يرجع إلى التصديق والتكذيب ، وهو غير الصدق والكذب في نفس الخبر .
وأجاب عنه أبو عبد الله البصري بأنه كذب لأنه يفيد إضافة الصدق إليهما معا ، مع عدم اضافته إليهما معا . وهو وإن كان كما ذكر غير أنه إذا كان كاذبا فلا يدخله الصدق ، وقد قيل الخبر ما يدخله الصدق والكذب ، والحق في الجواب أن يقال حاصل هذا وإن كانت صورته صورة خبر واحد يرجع إلى خبرين أحدهما صادق وهو إضافة الصدق إلى محمد والثاني كاذب وهو إضافته إلى مسيلمة .
وأما الالزام الثاني فلا يخلو الخبر فيه ، إما أن يكون مطابقا للمخبر عنه ، أو غير مطابق .
فإن كان الأول ، فهو صدق ، وإن كان الثاني ، فهو كذب لاستحالة الجمع بين المتناقضين في السلب أو الايجاب .