الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٨٣ - الغاية التي يقع انتهاء التخصص إليها
وأما المعقول فهو أنه لا معنى لتخصص العموم سوى صرف اللفظ عن جهة العموم الذي هو حقيقة فيه ، إلى جهة الخصوص بطريق المجاز ، كما سبق تقريره ، والتجوز غير ممتنع في ذاته . ولهذا . لو قدرنا وقوعه ، لم يلزم المحال عنه لذاته ، ولا بالنظر إلى وضع اللغة . ولهذا يصح من اللغوي أن يقول جاءني كل أهل البلد وإن تخلف عنه بعضهم ، ولا بالنظر إلى الداعي إلى ذلك والأصل عدم كل مانع سوى ذلك ، ويدل على جواز تخصيص الأوامر العامة ، وإن لم نعرف فيها خلافا ، قوله تعالى : * ( اقتلوا المشركين ) * ( ٩ ) التوبة : ٥ ) مع خروج أهل الذمة عنه ، وقوله تعالى : * ( السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) * ( ٥ ) المائدة : ٣٨ * ( والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) * ( ٢٤ ) النور : ٢ ) مع أنه ليس كل سارق يقطع ، ولا كل زان يجلد ، وقوله تعالى * ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) * ( ٤ ) النساء : ١١ ) مع خروج الكافر والرقيق والقاتل عنه .
فإن قيل : القول بجواز تخصيص الخبر مما يوجب الكذب في الخبر ، لما فيه من مخالفة المخبر للخبر ، وهو غير جائز على الشارع ، كما في نسخ الخبر .
قلنا : لا نسلم لزوم الكذب ، ولا وهم الكذب ، بتقدير إرادة جهة المجاز ، وقيام الدليل على ذلك . وإلا كان القائل إذا قال : رأيت أسدا وأراد به الانسان ، أن يكون كاذبا ، إذا تبينا أنه لم يرد الأسد الحقيقي ، وليس كذلك بالاجماع .
وعلى هذا ، فلا نسلم امتناع نسخ الخبر ، كما سيأتي تقريره .
المسألة الثانية اختلف القائلون بالعموم وتخصيصه ، في الغاية التي يقع انتهاء التخصيص إليها :
فمنهم من قال بجواز انتهاء التخصيص في جميع ألفاظ العموم إلى الواحد .
ومنهم من أجاز ذلك في ( من ) خاصة دون ما عداها من أسماء الجموع ، كالرجال والمسلمين ، وجعل نهاية التخصيص فيها أن يبقى تحتها ثلاثة . وهذا هو مذهب القفال من أصحاب الشافعي ، ومنهم من جعل نهاية التخصيص في جميع الألفاظ العامة ، جمعا كثيرا يعرف